فهرس الكتاب
إن مثل هذا الرأي يبتعد بنا عن طبيعة المادة وحقيقتها، إذ إن التنوع في أشكال المادة ومواصفاتها لا يمكن أن يصدر إلا عن تنوع في وجودها الأصلي، أي في أصل تركيبها وإن كانت كما تبدو لأول وهلة كتلة واحدة متجانسة. أي أن ما نجده في المادة وما نكتشفه من مواد جديدة عائد لقابليتها، وعلمنا بهذه القابلية هو الذي سيؤدي إلى إبداع الجديد منها والتأثير فيها. فنحن نصنع بها، ونأخذ منها، ولا جديد تحت الشمس إلا في الخلق من المادة القديمة. ولكن بفهم قوانين المادة واستخدامها، لأننا عندما نفهم هذه القوانين لن تكون المادة في تعارض مع ما نريد أن نصنعه منها، أما لو أننا لا نعلم بقوانينها، فإن المادة ستكون في تعارض مع ما نريده منها، ليس لأنها تملك إرادة المعارضة، ولكن لأنها لا تتلاءم مع إرادتنا، رغم أنه لا إرادة لها. لو أننا غرسنا شجرة ورد في الماء لن تنبت لأن العناصر التي يحتاجها الورد للنمو غير متوفرة في الماء وإنما في التراب والماء والحرارة والهواء. وكل حي يحتاج لكي ينمو للعناصر الأربعة بنسب معينة. رطوبة يمثلها الهواء، ويبوسة يمثلها التراب، وبرودة يمثلها الماء، وحرارة تمثلها النار. بل إن الوجود بجميع ذراته هو كالكائن الحي بقبوله للتفاعل بين أجزائه، ولا يتفاعل إلا حي مع حي، وإن خفي علينا معنى الحياة السارية في كل موجود. والكون كله في حركة دائبة بين فاعل ومفعول به، لإنتاج الفعل المراد. إذ المراد دائمًا هو الفعل وهو كما قلنا فكرة في الذات. وهذا يسمى في الإسلام عالم الجبروت، ثمَّ نزلت الفكرة إلى اللوح المحفوظ فدوّنت. وإن كان التدوين في الأزل. ثمَّ أُمرت الأسباب بالتنفيذ لتظهر الصورة في عالم الملك والشهادة لتشهدها العين. ولدت المرأة طفلًا. الغاية والفكرة هي الولادة.