فهرس الكتاب
إن القدرة كما بيناها وفهمناها من خلال الآيات هي نفوذ العلم والإرادة في المادة، هي قابلية المادة وملاءمتها لما يراد صنعه من حيث الصورة والمعنى. هي تحقيق الانسجام بين الصورة والفكرة. فالقدرة هي وليدة العلم في طرفين: فكرة+مادة= فكرة ومادة= صورة. لقد بطنت الفكرة في المادة واختفت فيها. في عالم الملك والشهادة، العالم المادي الذي نشهده كل الأفكار ستختفي في المادة وتظهر من خلالها، إذ لا شهود لنا إلا في عالم الطبيعة. وكل صورة ستكون بمثابة إشارة إلى عالم الأفكار الذي لا يدرك بالنسبة إلينا إلا وهو متلبس بثوب المادة. في هذه الرؤية، المادة لم تعد مادة بالمعنى الحقيقي، إنما صارت رمزًا، جسدًا محسوسًا للفكرة. وكل تغيّر في شكل المادة سيكون رمزًا ودليلًا على التغيّر الجاري في الذات والذي سيتبعه التغيّر في العالم. وهكذا يتعاقب الليل والنهار والفصول، ويسير كل محدث إلى منتهاه وأجله، بفعل القوانين الكونية التي تحكمه، والتي نسميها الأسباب. فالإيجاد والإبداع بأسباب، والتحوّل والإماتة بأسباب. والأصل هو الفعل الذي سيقع والفاعل الذي سينفذ والمفعول به الذي سيقع عليه الفعل، التحوّل الإماتة. وهو تحوّل من كذا إلى كذا، من صورة تحمل هذا المعنى، إلى صورة تحمل معنى جديدًا. فعندما نقول نضجت الثمرة، فإننا نقول في نفس الوقت ماتت الزهرة التي كانت ظرفًا للثمرة. وكل موت بداية لحياة جديدة. ماتت بصلة الزنبق فظهرت الأوراق ثمَّ الزهرة، وتفتحت أبصال جديدة. لقد جمعنا بصلة الزنبق+ الهواء+ التراب+ الماء+ الحرارة= أسياخ الزنبق وأبصال جديدة. إن الصور هي تعبير عن علم استخدام الطاقة الكونية بما يناسبها، بل إنها علم باقتصاد الطاقة، علم باستخدام هذه الطاقة دون هدر وإسراف. إنه نظام التوازن الذي يكتشفه علماء الطبيعة كلّما أوغلوا في التعرّف على دور الأنواع ومهمتها في الكرة الأرضية.