فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 598

لنضرب مثلًا على الحالة التي نواجهها. إن علماء الذرة اليوم يقولون إن المادة تتألف من ذرات تدور حولها إلكترونات، ونحن لا نشاهد الذرات، والعلماء لا يستطيعون أن يعرضوا علينا الذرة والإلكترونات وهي تدور حولها. وهذا يضعنا أمام خيارين لا ثالث لهما. فإما أن علينا أن نصدق ما يقوله العلماء، وأن نقبل شهادة بعضهم لبعض على صدق ما يقولون، لأن العلماء أدرى بالعلم الذي يدرسونه، وإما أن علينا إذا لم نصدق بما يقولونه وأردنا أن نتأكد بأنفسنا، فإنه لابدَّ لنا أن نرتقي بعقولنا إلى المستوى الذي وصلوا إليه بعلمهم لكي نعرف ما عرفوه، ولابدَّ لنا عندئذ من متابعة الدراسات التي تؤهلنا لمثل هذه المعرفة، وعلى يد معلمين يحسنون التعليم والتوجيه لتحقيق ما نصبو إليه. ولابدَّ لنا من النجاح في كل المراحل لكي نبصر ما أبصره العلماء، ولن تجدي الشهادات المزورة في الوصول إلى مستوى علماء الذرة للتأكد من طبيعة المادة وفهم تركيبها الذري. إذًا كل علم مجهول بالنسبة إلينا، علينا إما أن نقبله إذا شهد العلماء بصحته، أو علينا أن نتحقق من صحته بأنفسنا. وهذا التحقق لا يمكن أن يحدث إلا إذا بذلنا جهودًا مثل جهود العلماء لكي نصل إلى مرتبتهم المعرفية، وعند ذلك سنكون شهودًا على صحة معلوماتهم. وسيظل الشاهد بالنسبة إلى المكتشف تابعًا وإن عرف ما عرفه العالم. فالمكتشف هو الإمام في مجاله والشهود هم أتباع له في علمهم، وهم مثله في مقام العلم إذا علموا كل ما علمه، إلا أنهم لا يمكن أن يكونوا نسخة عنه في حياتهم وخصوصياتهم ومشاعرهم. إنهم في مقام العلم قد يكونون مثله إذا نجحوا في الإحاطة بجميع علومه، ولكنهم قد لا يكونون مثله بالحكمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت