فهرس الكتاب
إننا على ضوء هذا المثل يجب أن ندرك بأن مقامات الرسل هي مقامات معرفية، وعلى من يريد أن يتحقق منها أن يسلك على الدرب الذي سلكوه، للوصول إلى الطاقة العقلية الكامنة وراء العقل الظاهر، وبمساعدة الحواس الكامنة وراء الحواس الظاهرة، لأن لكل حاسَّة ظاهرة حاسَّة باطنة لديها قدرات غير القدرات التي نعرفها عن حواسنا. وإذا نجح الإنسان في الوصول إلى هذا المقام المعرفي الشهودي الحقاني الذي يجتمع له فيه إدراك العقل وشهادة الحواس، فإنه سيدرك الحقائق إدراكًا عيانيًا وعقليًا ولا مجال للالتباس أو الشك فيه، وسيكون حاله كما في ـ العلم التجريبي ـ عقل يحكم وحواس تشهد. ولذلك سماه أهل المعرفة مقام عين اليقين. وعنده ستطمئن النفس وتسلم لخالقها، وستفهم حقيقة الوحي، وتؤمن بما جاء به الرسل وإن لم تتوصل إلى الإحاطة بعلومهم، وستدرك حقيقة مقام كل رسول بالقياس إلى معرفته وعلمه، وإن كانوا متساوين من حيث إنهم رسل الله. ولكن لما كان لابدَّ من وصول المعرفة بالله إلى كمالها، لذلك سيكون كمال المعرفة من نصيب الرسول الخاتم - صلى الله عليه وسلم - ، وبهذه المعرفة سيكون الرسول - صلى الله عليه وسلم - الخاتم سيد أبناء آدم، وستظل رسالته هي الباقية إلى قيام الساعة سواءً آمن بها الناس أو لم يؤمنوا، لأنه لا نبوة بعده. إذ سيقوم بمقام الرسول الدائم الرسالة التي حملها الرسول - صلى الله عليه وسلم - للبشرية وهما القرآن والسنّة. ولكن كيف نستطيع أن نختار الطريق للتحقق من هذه المقامات المعرفية؟. إنها المعرفة بالروح. ولكن قبل أن ننتقل إلى بحث مسائل الروح، سنقدّم بحثًا عن حدود حكمة العقل باعتماد الفكر الأفلاطوني كنموذج، على اعتبار أنه يمثل قمَّةً من قمم الإدراك بالعقل، وكذلك بعض إشراقات الروح. ولأن فكره يمثل تيارًا ما زال له أنصاره.