فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 598

ورغم أننا لا نريد أن نقلِّل من أهمية أفلاطون في هذا البحث، حيث سنجد كثيرًا من الآراء التي قالها تنطبق على عصرنا، والحكمة ضالة المؤمن. إلا أن أبحاثه العقلية رغم أهميتها، ستكشف لنا عن الفرق بين حكمة العقل وحكمة الروح.

حدود الحكمة العقلية في الدراسات الأفلاطونية

ربّما، لو حاولنا أن نبحث فيما وَصَلنا من الثقافة العقلية القديمة عن أعمق الفلسفات وأفضلها، لن نجد بين الفلاسفة أفضل من أفلاطون (427-347 ق.م) بالقياس إلى ثقافة زمنه، والوسائل المتوفر منها، وبصيرته النافذة في عصره وعصور قادمة والتي تكشف عنها آراؤه في دول العقل، وأنواع الحكومات، وطبيعة كلِّ نظام سياسي ومزاياه. وهذا العمق في فهم المشكلات الإنسانية الذي لم يبلغه أي فيلسوف في عصره، هو الذي يدفعنا لعرض وجهات نظر أفلاطون في النظام السياسي الأمثل، لكونه يمثل إلى حدٍّ بعيدٍ قمَّة حدود الإدراك العقلاني للضرورات والحاجات الإنسانية. وإنَ دراسة حدود هذا الإدراك ومقارنته بالفهم الروحي لنفس المسائل سيكشف لنا عن الفرق بين مقتنيات العقل، ومقتنيات الروح، وفهم كل منهما للمشاكل الإنسانية، والحلول التي سيبني بهما كلاهما جمهوريته الفاضلة. ولا خلاف بين الفريقين على بناء هذه الجمهورية، ولكنَّ الخلاف هو في الأسس التي سيقوم عليها كل بناء، وهو خلاف ما زال قائمًا في عصرنا، ويفرض علينا أن نتعامل معه كأمرٍ واقعٍ لابدَّ منه، وإن كانت نتائجه الظاهرة للعيان تدفعنا بالضرورة للطموح إلى الجمهورية المثلى التي لا تأكل فيها الحروب خبز الإنسان ومأواه ومستقبله. وإذا كان لابدَّ من دوام هذا الخلاف، فليكن، ولكن بصلح كصلح الحديبية بين الفرقاء، لفتح باب الحوار بدلًا من إطلاق النيران فمن يدري؟ ربَّما سيكون عدو الأمس صديقًا. وحتى إذا لم يتحوَّل إلى صديق فلا حاجة للتفكير في قتله أو إكراهه على الإيمان، بما يؤمن به كل فريق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت