الصفحة 98 من 176

لما قرر المصنف وجوب الإيمان بعلو الله سبحانه على خلقه واستوائه على عرشه نبه في هذا الفصل إلى أنه يجب مع ذلك الإيمان بأنه قريب من خلقه وقوله: ( وقد دخل في ذلك ) أي: في الإيمان بالله ( الإيمان بأنه قريب ) أي: من خلقه ( مجيب ) لدعائهم ( كما جمع بين ذلك ) أي: بين القرب والإجابة في قوله: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي } ورد في سبب نزول هذه الآية . أن رجلًا جاء إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: يا رسول الله أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه ؟ فسكت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ . فنزلت هذه الآية . { فإني قريب } من الداعي { أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } . وهذا يدل على الإرشاد إلى المناجاة في الدعاء بدون رفع الصوت، كما في قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ( إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته ) سبق شرحه .

وفي هذه الآية وهذا الحديث دلالة على قرب الله تعالى من الداعي بإجابته وهذا القرب لا يناقض علوه، ولهذا قال مصنف: ( وما ذكر في الكتاب والسنة من قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته ) لأن الكل حق والحق لا يتناقض ولأن الله تعالى: [ ليس كمثله شيء في جميع نعوته ] أي: صفاته، فلا يقال: إذا كان فوق خلقه فكيف يكون معهم ؟ لأن هذا السؤال ناشئ عن تصور خاطئ هو قياسه سبحانه بخلقه وهذا قياس باطل، لأن الله سبحانه { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } . فالقرب والعلو يجتمعان في حقه لعظمته وكبريائه وإحاطته وأن السموات السبع في يده كخردلة في يد العبد، فكيف يستحيل في حق من هذا بعض عظمته أن يكون فوق عرشه ويقرب من خلقه كيف يشاء وهو على العرش . ( وهو علي في دنوه قريب في علوه ) سبحانه وتعالى كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة، وأجمع عليه علماء الملة وهو من خصائصه سبحانه ( علي في دنوه ) أي: في حال قربه من خلقه ( قريب في علوه ) أي: قريب من خلقه في حال علوه على عرشه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت