الصفحة 59 من 798

3-على تقدير ثبته عنه، فقد ذكر ابن عطية أنه من الزلات، قال:"وهذا هو الحق المتبع - يعني تحريم إتيان النساء في أدبارهن - ولا ينبغي لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرج في هذه النازلة على زلة عالم بعد أن تصح عنه والله المرشد لا رب غيره" [1] ، وأما ما ذكره السائل عن الشافعي - رحمه الله - فهو في كتابه"الأم" [2] ، وتمام كلامه:"احتملت الآية معنيين أحدهما أن تؤتى المرأة من حيث شاء زوجها لأن { أَنَّى شِئْتُمْ } يبين أين شئتم لا محظور منها كما لا محظور من الحرث، واحتملت أن الحرث إنما يراد به النبات وموضع الحرث الذي يطلب به الولد الفرج دون ما سواه لا سبيل لطلب الولد غيره، فاختلف أصحابنا في إتيان النساء في أدبارهن فذهب ذاهبون منهم إلى إحلاله وآخرون إلى تحريمه، وأحسب كلا الفريقين تأولوا ما وصفت من احتمال الآية على موافقة كل واحد منهما قال الشافعي: فطلبنا الدلالة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوجدنا حديثين مختلفين أحدهما ثابت وهو حديث: ابن عيينة عن محمد بن المنكدر أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: كانت اليهود تقول من أتى امرأته في قبلها من دبرها جاء الولد أحول فأنزل الله عز وجل: { نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ } ، ثم ذكر حديث خزيمة بن ثابت: إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهن ، ثم قال الشافعي:"فلست أرخص فيه بل أنهى عنه"، وللشافعي كلام معروف يدل على الإباحة وهو مما جرى بين الشافعي ومحمد بن الحسن على سبيل المناظرة، وقد أجيب عنه بأن هذا قول الشافعي في القديم أما الجديد فصرح فيه بالتحريم، قال الحاكم:"لعل الشافعي كان يقول ذلك في القديم، وأما في الجديد فقد صرح بالتحريم" [3] ، وقال ابن القيم:"لعل الشافعي -

(1) - المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ( 2/184 )

(3) - ينظر: فتح الباري ( 8/191 ) ، الدر المنثور ( 638 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت