السبب الأول: إرادة إخفاء الانقطاع وإيهام الإتصال، مع التخلص من ذكر راو مرغوب عن ذكره إما لطعن فيه أو لجهالته أو لصغره أو لنزول السند به أو لأية علة إخرى تجعله مرغوبًا في الرواية عنه؛ فيدلسون ترويجًا لتلك الأحاديث بين الرواة وترغيبًا لهم في سماعها منه طلبًا للشهرة أو الإغراب أو لمعاني أخرى، كنصرة المذهب؛ وذلك بأن يسمع حديثًا من راو ضعيف أو متروك أو متهم أو وضاع يرويه بإسناد صحيح أو مقبول في الجملة فيدلسه ويروي الحديث عن شيخ ذلك الوضاع؛ ولهذا فإن هذا النوع من التدليس يكون أحيانًا سببًا لإسقاط صاحبه وذلك إذا وجدت فيه شروط أخرى ليس هذا موضع تفصيل الكلام فيها.
السبب الثاني: إرادة إيهام العلو إما لترغيب الناس بتلك الرواية؛ فالرواة - كما هو معلوم - لهم من الحرص على سماع الأحاديث العالية ما ليس لهم مثله في الأحاديث النازلة؛ وإما للتشبع بذلك العلو المتوهَّم؛ وهذا لا يصح شرعًا قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (من تشبع بما لم يعط كان كلابس ثوبَي زور) .
السبب الثالث: إرادة اختصار السند؛ فإن كثيرًا من علماء التابعين كان يروي الأحاديث في معرض احتجاجه أو استشهاده أو استئناسه بها في فتوى أو خطبة أو موعظة أو تفسير آية أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر، فكان لا يحرص على سياقة السند كاملًا لأن المقام ليس مقام تحديث كما هو الشأن في أحاديث المحدثين الذين جاءوا بعد التابعين وكانوا يعقدون المجالس المختصة برواية الأحاديث وسردها بأسانيدها. فهؤلاء مقصدهم الأساس السند، وأولئك مقصدهم الأساس المتن؛ وكان يناسبهم في مثل تلك المقامات المذكورة الاختصار، ولذلك كثر في مروياتهم الإرسال، ولا تكاد تجد تابعيًا من المكثرين إلا وفي أحاديثه مراسيل قليلة أو كثيرة.