الأول: لا وجه للقول بأن من يفعل تدليس التسوية مجروح، ما دام أنه بيَّن أنه أهلٌ لأن يفعله، أو عُرف عنه ذلك فأقرّه؛ وكيف يستقيم أن نفرّق في الحكم، بينه وبين مدلِّس الإسناد، فنطعن في هذا - بسبب تدليسه - دون ذاك؟!
الثاني: من يدلس تدليس التسوية يشترط لقبول روايته - عند من يقبلها - تصريحه بالتحديث ما بينه وبين منتهى الحديث.
الثالث: تدليس التسوية قليل، بل نادر، لعله لم يفعله إلا بضعة من الرواة، ومن أشهرهم به بقية بن الوليد والوليد بن مسلم.
الرابع: يرى بعض العلماء والباحثين أن تدليس التسوية مقصور على حذف شيخ شيخ المدلِّس، لا يتعداه إلى من فوقه؛ وعليه يختلف - بعضَ الشيء - تعريف (تدليس التسوية) ، وكذلك أحكامه، كما هو واضح.
معنى التسوية:
التسوية لها في اصطلاح المحدثين ثلاثة معان:
الأول: تدليس التسوية، وقد تقدم شرحه.
والثاني: التسوية التي ليست بتدليس، وهي حذف المحدث راويًا ممن بين شيخه والصحابي، بحيث لا يكون تدليسًا، وذلك بأن يصير السند بعد حذف ذلك الراوي منقطعًا ظاهر الانقطاع، وتسمية هذا النوع تقصيرًا أولى من تسميته تسوية، وقَلَّ بين المتقدمين من العلماء من يستعمل التسوية بهذا المعنى.
والثالث: هو تغيير الأسانيد الساقطة أو النازلة بالزيادة والنقص والتبديل ونحو ذلك، بحيث تكون مقبولة أو مرغوبًا فيها، وهذا صنيع الكذابين واللاعبين، ومن هذا المعنى وصفهم بعض المجروحين بأنه كان يسوّّي الأسانيد.
فهذه معاني التسوية.
وبعدُ، فإذ بان بهذا الفرقُ بين (التسوية) و (تدليس التسوية) ، فمن المناسب أن أكمّل ذلك البيان هنا، بأن أبين معنى مصطلحين آخرين بين كل واحد منهما وتدليس التسوية نوع من العموم والخصوص أو التداخل أو التشابه والتقارب في المعنى، وهما التقصير والتجويد.