الصفحة 8 من 55

قلنا: أما حال الصحابة رضي الله عنهم في ذلك الذين وجبت محاشاتهم عن قصد التدليس فتحتمل وجوهًا: منها أن يكونوا فعلوا ذلك اعتمادًا على عدالة جميعهم، فالمخوف في الإرسال قد أمن؛ يدل على ذلك ما قاله أنس بن مالك رضي الله عنه؛ ذكر أبو بكر بن أبي خيثمة في"تاريخه"قال: نا موسى بن إسماعيل وهدبة قالا نا حماد بن سلمة عن حميد أن أنسًا حدثهم بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رجل: أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فغضب غضبًا شديدًا وقال: والله ما كل ما نحدثكم سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولكن كان يحدث بعضنا بعضًا، ولا يتهم بعضنا بعضًا.

قلت: ولذلك قبل جمهور المحدثين، بل جميع المتقدمين - وإنما خالف في ذلك بعض من تأصل من المحدثين المتأخرين - مراسل الصحابة رضي الله عنهم؛ وعلى القبول محققو الفقهاء والأصليين.

ومنها أن يكونوا أتوا بلفظ (قال) أو (عن) ؛ ولفظ (قال) أظهر إذ هو مهيع الكلام قبل أن يغلب العرف في استعمالهما للإتصال.

ومنها أن يكونوا فعلوا ذلك عند حصول قرينة مفهمة للإرسال مع تحقق سلامة أعراضهم وارتفاعهم عن مقاصد المدلسين وأغراضهم.

ومنها أن يكونوا أتوا بلفظ مفهم لذلك فاختصره من بعدهم لثقة جميعهم ولعل قول كثير من التابعين عمن يروون عنه من الصحابة (ينمي الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم) أو (يبلغ به النبي عليه السلام) أو (يرفعه) ، أو ما أشبه هذا من الألفاظ: عبارة عن ذلك.

وأما من سوى الصحابة فإنما فعل ذلك من فعله منهم بقرينة مفهمة للإرسال في ظنه وإلا عُدَّ مدلسًا). انتهى.

انتفاء معنى التدليس

عن بعض أنواع التجوز بصيغة الأداء الصريحة في السماع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت