قال ابن تيمية رحمه الله: ابتدأ البخاري صحيحه ببدء الوحي ونزوله، فأخبر عن صفة نزول العلم والإيمان على الرسول أوّلًا، ثم أتبعه بكتاب الإيمان الذي هو الإقرار بما جاء به، ثم بكتاب العلم الذي هو معرفة ما جاء به، فرتبه الترتيب الحقيقي . )الفتاوى 2/ 4( .
البخاري والدارمي أفضل من غيرهما ..
قال ابن تيمية رحمه الله: الأمام أبو محمد الدارمي صاحب المسند ابتدأ كتابة بدلائل النبوة، وذكر في ذلك طرفًا صالحًا، وهذان الرجلان ـ البخاري والدارمي ـ أفضل بكثير من مسلم والترمذي ونحوهما، ولهذا كان أحمد بن حنبل يعظم هذين ونحوهما، لأنهم فقهاء في الحديث أصولًا وفروعًا .
)الفتاوى 2/ 4( .
العلم بالله أصل العلوم وأولها وآخرها ..
قال ابن تيمية رحمه الله: أصل علمهم وعملهم ـ أي الأنبياء عليهم السلام ـ هو العلم بالله والعمل لله، وذلك فطري . . . وأصل العلم الإلهي فطري ضروري وأنه أشد رسوخًا في النفوس من مبدأ العلم الرياضي، كقولنا: إن الواحد نصف الاثنين، ومبدأ العلم الطبيعي، كقولنا: إن الجسم لا يكون في مكانين، لأن هذه المعارف أسماء قد تُعرض عنها أكثر الفطر، أم العلم الإلهي، فما يُتصور أن تُعرض عنه فطرة . وبسط هذا له موضع غير هذا .
وإنما الغرض هنا: أن الله سبحانه لما كان هو الأول الذي خلق الكائنات، والآخر الذي إليه تصير الحادثات، فهو الأصل الجامع، فالعلم به أصل كل علم وجامعه، وذكره أصل كل علم وجامعه، والعمل له أصل كل عمل وجامعه، وليس للخلق صلاح إلا في معرفة ربهم وعبادته، وإذا حصل لهم ذلك، فما سواه إما فضل نافع وإما فضول غير نافعة، وإما أمر مضرٌ .
ثم من العلم به تتشعب أنواع العلوم، ومن عبادته وقصده تتشعب وجوه المقاصد الصالحة، والقلب بعبادته والاستعانة به معتصم متمسك، قد لجأ إلى ركن وثيق، واعتصم بالدليل الهادي، والبرهان الوثيق، فلا يزال إما في زيادة العلم والإيمان وإما في السلامة عن الجهل والكفر .