3-والحقيقة أن من كان معك بقلبه كان إيجابيًا ذا فائدة ، ومن لم يكن كذلك فهو عبء عليك ينبغي التخلص منه ، فإذا فعل هو ذلك فقد كفاك مؤونته بنفسه ، وأراحك الله منه . وهكذا كان القائد الحكيم صلى الله عليه وسلم يقول حين يخبره أصحابه بتخلف بعض من كانوا معهم"دعوه ؛ فإن يكُ فيه خير فسيلحقه الله تعالى بكم ، وإن يكُ غير ذلك فقد أراحكم الله منه". ألم يشترط سهيل بن عمرو في صلح الحديبية أن لا يعيد المشركون من ارتد من المسلمين ، وأن يعيد المسلمون من أسلم إلى المشركين ، فاعترض الصحابة لهذا الشرط المجحف ظاهرًا ، ورضي به النبي صلى الله عليه وسلم ، بل نافح عنه ؟ فليس للمسلمين حاجة بمن تخلى عنهم . إن التخلص منه معافاة من ورم خبيث وعدو مقيم ! أما المسلم الذي يُعاد إلى المشركين فسيكون عينًا للمسلمين على أعدائهم .
4-المسلم الثابت على المبدأ ، المؤمن به ، الواهب نفسه له لا يحفل بالمصاعب . وهكذا فعل أبو ذر رضي الله عنه ، إذ رأى ضعف ناقته عن المسير ، فصبر عليها حتى علم أنها لن تقوى عليه ، فحمل أمتعته ومشى مسرعًا إلى ركب الرسول صلى الله عليه وسلم يغذ السير وحيدًا فريدًا . وكان عند حسن ظن حبيبه به . ويبتسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويفرح به ، ويدعو له مادحًا"رحم الله أبا ذر ، يمشي وحده ، ويموت وحده ، ويُبعث وحده ."
5-وتمر الأيام ، ويصدق في أبي ذر رضي الله عنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم . إن لأبي ذر أسوة حسنة في سيدنا إبراهيم فقد كان أمة وحده كذلك . لقد كان ابن مسعود رضي الله عنه يسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول ما قاله في أبي ذر ، ولم يكن يخطر بباله أنه سيكون ممن يشهد بصدق هذا الحديث حين يرى جثمان أبي ذر ، ويدفنه في تلك الصحراء . ويبكي ابن نسعود رحمة بأبي ذر وشوقًا إلى النبي الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم .
دور النفاق والمنافقين