وأقبل عبد الله بن مسعود في رهط من أهل العراق ، فلم يرُعهم إلا الجنازة على الطريق ، قد كادت الإبل تطؤها . وقام إليهم الغلام . فقال: هذا أبو ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأعينونا على دفنه .
فاستهل عبد الله بن مسعود يبكي ويقول: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: تمشي وحدك ، وتموت وحدك ، وتُبعث وحدك .
ثم نزل هو وأصحابه فوارَوه التراب .
ثم حدثهم عبد الله بن مسعود حديثه ، وما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيره إلى تبوك .
إضاءة:
1-الشيطان والنفس الأمارة بالسوء تجتمعان على المسلم ، وتوسوسان له حتى يطرد وسواسهما ويستعين بالله عليهما ، فينجو بفضل الله تعالى ، أو تضعف نفسُه فيستمع لهما ويأخذ بوسواسهما ، فيتبعهما . ولهذا نجد بعض الرجال يتأخرون عن الركب وينكفئون إلى الوراء ، ويعودون أدراجهم . حدث الكثير من هذا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وما يزال الصراع بين المرء وشيطانه إلى يوم القيامة . فمن أيّده الله تعالى نجا ، ومن تهاون خاب وخسر .
2-ولهذا تخلف عدد من المسلمين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ، حين يغلبهم الهوى ، ويزين لهم القعود ، فينسلون إلى الوراء ، ثم يتباطأون في المسير ، ثم ينفصلون عن الركب ، ويتوقفون ، ثم يعودون من حيث أتَوا ، ويظنون أنهم فعلوا الصواب ، ونجوا بأنفسهم . لكنّ التاريخ حين يذكرهم لا يرحمهم . بل يجعلهم مثالًا للمتخلفين وعبرة وعظة للقاعدين .