الصفحة 29 من 66

كلُّ ما تقدَّم ، أمرٌ يستحق التوقف والتأمل الفقهي ، لأجل الوصول الى حُكمٍ في مسألةٍ هي من أخطر المسائل حسَّاسيَّةً ، ألا وهي مسألة ما أطلق عليه ، أو قل ما اصطُلِح عليه: [ بالحيل الشرعيَّة] .

إنّ الاصطلاح لا مناقشة فيه ..إذ: [ لا مشَّاحة في الاصطلاح ] ،

فالعبرة بحقيقة الأشياء لا بأسمائها ، فاختلاف الأسماء لا يُغيِّرُ مِن حقيقة المسميَّات ، وإن كان الأفضل تجنُّب الألفاظ المثيرة للإبهام والإيهام .

إنَّ لفظ [ الاستحسان ] أثار ما أثار بسبب الفهم المتعجل لمعناه ، ولو رجعنا إلى مقصود أصحابه منه لَما قيل الذي قيل فيه وفي المتَّخذين له دليلا، وما زال ذلك غُصَّةً في حلوق الطرفين: القائلين به ، والمنكرين له .

فلو اختار أصحابُهُ غيْرَ هذا الإسم لَمَا توَلَّد الالتباس ، ولو تأنى مُنْكِرُه لما لِيِمَ على حُكمهِ ، والله سبحانه وتعالى يقول: [… فتبينوا ... ] .

بعد هذا ينبغي أن نُشَخِّص [ الحيلة ] التي استعملها سيِّدُنا [ يُوسف ] عليه السلام ، حتى نستطيع الحكم عليها بمقبوليَّةٍ أو رفضٍ ، لكي يكون الكلام بعدئذٍ في مدى إمكان الأخذ بها في شريعتنا ، رغم أنَّها وردت في قرآننا العظيم ، على أنّها مِن تطبيقات الشرائع السابقة لشريعة نبيِّنا عليه أفضل الصلاة والتسليم .

لقد احتال لهم أول مرَّة:

{ فلمّا جهّزهم بِجَهازِهِم جَعَلَ السقاية في رحْل أخيه ثمَّ أذنّ مؤذّن أيتها العيرُ إنّكم لسارقون } (1) فقد فعل هذا تمهيدًا لاتِّهامهم بالسرقة.

ثم احتال لهم ثانيةً حين سألهم:

{ .. فما جزاؤه إن كنتم كاذبين ..}

فلما أراد أن يستبقي عنده أخاه ، ولم يكن له من سبيلٍ في قانون [ فرعون ] ، سألهم عن شريعة أبيهم [ يعقوب] في مثل هذه الحالات ، فأخبروه باسترقاق المسروق منه للسارق ، إن ثبتت السرقة .

فاحتال لهم ثالثة:

(1) يوسف / 70 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت