فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 58

إن أبا عمر الجرمي كان يأبى التعقيد في النحو و كثرة التقديرات، و مما يؤكد ذلك عنده أنه كان يمنع التنازع في الأفعال التي تتعدى إلى مفعوليَن أو ثلاثة، ذاهبًا إلى أنه ينبغي أن يقتصر في الباب على السماع و القياس عليه دون الإتيان بصور معقدة لم يرد لها مثيل عن العرب، فإن في ذلك تكلفًا و إيغالًا في تمرينات لا تفيد في تعلم العربية، و إن كان النحاة لم يستمعوا إلى رأيه فقد مضوا يطبقون الباب في (ظن) و أخواتها و (أعلم) و أخواتها، مما كان سببًا في أن يحملَ عليهم ابن مضاء، في كتابه الرد على النحاة، حملة شعواء. ( [113] )

2 ـ رأي ابن مضاء القرطبي (ت592 هـ) :

يدرس ابن مضاء باب التنازع في النحو درسًا مفصلًا، و هو درس أراد به أن يصور ما تجره نظرية العامل من رفض بعض أساليب العرب، و أن يضع النحاة مكانها أساليب لا تعرفها العربية، فإنهم يرفضون في باب التنازع صورًا من التعبير دارت على ألسنة العرب، و ذلك أنهم قد يعبرون بعاملَين، ثم يأتون بعدهما بمعمول واحد على نحو ما نرى في مثل (قام و قعد إخوتك) و قول علقمة:

تَعَفّقَ باِلأَرْطَى لَهَا و أَرَادَهَا ... رِجَالٌ فَبَذَّتْ نَبْلَهُمْ و كَلِيْبُ

و قد رفض النحاة هذه الصورة من التعبير؛ لأنه لا يصح أن يجتمع عاملان على معمول واحد، أو كما يقولون لا يصح أن يجتمع مؤثران على أثر واحد، و إذن فإما أن نعمل الأول و نضمر في الثاني، أو نعمل الثاني و نضمر في الأول. اختار الكوفيون إعمال الأول لسبقه، و اختار البصريون إعمال الثاني لقربه، فيطلبون إلى صاحب المثال الأول أن يقول (قام و قعدوا إخوتك) أو يقول: (قاموا و قعد إخوتك) و يطلبون إلى علقمة أن يقول (تعفقوا .... و أرادها رجال .... و كليب ) و هي جمع كلب أو يقول (تعفق ... و أرادها رجال ... و كليب) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت