فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 58

لم يقف النحاة بباب التنازع عند صوره البسيطة التي عرفها سيبويه في الأبيات فقد مضوا يعرفونه في الأفعال المتعدية إلى مفعولَين فتقول في رأي الكوفيين"ظننتُ و ظنوني شاخصًا الزيدين شاخصَين"أي ظننت الزيدين شاخصين و ظنوني شاخصًا". و كذلك في الأفعال المتعدية إلى ثلاثة مفاعيل، فتقول في رأي الكوفيين"أعلمتُ و أعلمونيهم إياهم الزيدين العمرين منطلقين"أي أعلمت الزيدين العمرين منطلقين و أعلمونيهم إياهم. و معروف مما سبق أن البصريين لا يضمرون المفاعيل مع الفعل الأول المتعدي إلى مفعولَين أو ثلاثة مفاعيل. و توقف ابن مضاء بإزاء هاتين الصورتين الكوفيتين للأفعال المتعدية إلى مفعولَين و ثلاثة مفاعيل، و قال: رأيي و فيما شاكلهما أن كل ذلك لا يجوز؛ لأنه ليس له نظير في كلام العرب و لا جرى في لسانهم. و من قبله ذهب الجرمي كما ذكر ذلك السيرافي في شرحه على سيبويه و الرضي في شرحه على الكافية إلى أنه لا يجوز إجراء التنازع في الأفعال التي تتعدى إلى مفعولَين أو ثلاثة؛ لأن ذلك يخرج عن القياس، و إنما يستعمل التنازع فيما استعملته العرب و تكلمت به و ما لم تتكلم به فمردود."

و واضح مما سبق أن الأمثلة المستعملة في العربية من هذا الباب هي خبر فعلى الكينونة كما يرى البصريون أو الحال كما يرى الكوفيون و قد يتنازع الفعلان فاعلًا أو مفعولًا به كقوله { آتُوْنِىْ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} [الكهف:96]

و قد يطلب أحد الفعلين الاسم على أنه فاعل و يطلبه الآخر على أنه مفعول به. و قد يطلبان جره بالحرف كما في الآية الكريمة { يَسْتَفْتُوْنَكَ قُلِ اللُّهُ يُفْتِيْكُمْ فِىْ الكَلاَلَةِ ...} [النساء:176] .

و تشهد كل هذه الأمثلة برجحان رأي سيبويه القائل بأن الثاني هو الذي يعمل في الاسم رفعًا و نصبًا و جرًا و أنه استغنى عن الاسم في الفعل الأول لعلم المخاطب به أو بعبارة أخرى حذف لدلالة السياق عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت