الصفحة 5 من 80

كان أخا عبد الملك بن مروان ، وكان أميرًا على العراق ، فاستوى على سريرها كما هو عادة الملوك ونوابها، أن يجلسوا فوق سرير الملك مستوين عليه، وهذا هو المطابق لمعنى هذه اللفظة في اللغة، كقوله تعالى: { لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ } [1] ، ولو كان المراد بالبيت استيلاء القهر والملك، لكان المستوي على العراق عبد الملك بن مروان لا أخوه بشر ، فإن بشرًا لم يكن ينازع أخاه عبد الملك ولم يكن ملكًا مثله، وإنما كان نائبًا له عليها وواليًا من جهته، فالمستولي عليها هو عبد الملك لا بشر ، بخلاف الاستواء الحقيقي وهو الاستقرار فيها والجلوس على سريرها، فإن نواب الملوك تفعل هذا بإذن الملوك ،و لا يقال لمن استولى على بلدة ولم يدخلها ولم يستقر فيها بل بينه وبينها بعد كثير: أنه قد استوى عليها، فلا يقال: استوى أبو بكر على الشام ولا استوى عمر على مصر والعراق ، ولا قال أحد قط: استوى رسول الله صلى الله عليه وسلم على اليمن ، مع أنه استولى عليها واستولى خلفاؤه على هذه البلاد، ولم يزل الشعراء يمدحون الملوك والخلفاء بالفتوحات، ويتوسعون في نظمهم واستعاراتهم، فلم يسمع عن قديم منهم -جاهلي ولا إسلامي- ولا محدث أنه مدح أحدًا قط أنه استوى على البلد الفلاني الذي فتحه واستولى عليه، فهذه دواوينهم وأشعارهم موجودة ، و من يقول إنه يلزم من تفسير الاستواء بالعلو أن يكون الله جسمًا فجواب هذه الشبهة أن كل شيء يلزم من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فهو حق، ويجب علينا أن نلتزم به، ولكن الشأن كل الشأن أن يكون هذا من لازم كلام الله ورسوله، لأنه قد يمنع أن يكون لازمًا، فإذا ثبت أنه لازم، فليكن، ولا حرج علينا إذا قلنا به.

(1) - الزخرف من الآية 13

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت