تعالى: { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } علا على عرشه عزّ وجل علوًا يليق به ليس كعلو المخلوقين: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } [1] فلا يشبه علو الإنسان على السرير و لا علو الإنسان على الأنعام ، ولا علو الإنسان على الفلك ، و مادام الله على العرش فهو علو المكان إذ الظاهر من العلو علو المكان ، والعلو إنما يكون علو الشيء نفسه فالله نفسه فوق العرش ، والعلو المطلق لله علو المكان بفوقيته فوق عرشه و العرش أعلى المخلوقات فمن علا عليه فقد علا على جميع المخلوقات ، وعلو الصفات فالله جميع صفات الكمال و يمتنع عنه جميع صفات النقص و من يقول استوى على العرش أي استولى على العرش لقول الشاعر: استوى بشر على العراق ، والجواب على ذلك: قال ابن تيمية: لم يثبت نقل صحيح أنه شعر عربي وكان غير واحد من أئمة اللغة أنكروه وقالوا: إنه بيت مصنوع لا يعرف في اللغة وقد علم أنه لو احتج بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لاحتاج إلى صحته فكيف ببيت من الشعر لا يعرف إسناده وقد طعن فيه أئمة اللغة ; وذكر عن الخليل كما ذكره أبو المظفر في كتابه ( الإفصاح ) قال: سئل الخليل هل وجدت في اللغة استوى بمعنى استولى ؟ فقال: هذا ما لا تعرفه العرب ; ولا هو جائز في لغتها وهو إمام في اللغة على ما عرف من حاله فحينئذ حمله على ما لا يعرف حمل باطل [2] ، و أيضا استوى بشر على العراق ليس صريحًا في أنه استولى على العراق ، فاستوى بشر على العراق، يعني: علا على عرشه، صار سلطانًا عليه ، وأيضًا من جهة المعنى، لا يصح، فإن الاستيلاء يشعر بأنه كان قبل ذلك غير مستول عليه، وأنه صار مستوليا عليه بعد أن لم يكن، أو يشعر أيضًا بالمغالبة، استولى عليه ،و لو صح هذا البيت وصح أنه غير محرف، لم يكن فيه حجة، بل هو حجة عليهم، وهو على حقيقة الاستواء، فإن بشرًا هذا
(1) - الشورى من الآية11
(2) - مجموع الفتاوى لابن تيمية 5/146