كان لنا أن ندع قتل الرجال المقاتلين بعد المقدرة وقتل الرجال في بعض الحالات لم نكن آثمين بترك الرهبان إن شاء الله تعالى وإنما قلنا هذا تبعا لا قياسا ولو أنا زعمنا أنا تركنا قتل الرهبان لانهم في معنى من لا يقاتل تركنا قتل المرضى حين نغير عليهم والرهبان وأهل الجبن والاحرار والعبيد وأهل الصناعات الذين لا يقاتلون فإن قال قائل ما دل على أنه يقتل من لاقتال منه من المشركين؟ قيل قتل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين دريد بن الصمة وهو في شجار مطروح لايستطيع أن يثبت جالسا وكان قد بلغ نحوا من خمسين ومائة سنة فلم يعب رسول الله صلى الله عليه وسلم قتله ولم أعلم أحدا من المسلمين عاب أن نقتل من رجال المشركين من عدا الرهبان ولو جاز أن يعاب قتل من عدا الرهبان بمعنى أنهم لا يقاتلون لم يقتل الاسير ولا الجريح المثبت وقد ذفف على الجرحى بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبو جهل بن هشام ذفف عليه ابن مسعود وغيره وإذا لم يكن في ترك قتل الراهب حجة إلا ما وصفنا غنمنا كل مال له في صومعته وغير صومعته ولم ندع له منه شيئا لانه لاخير في أن يترك ذلك له فيتبع وتسبى أولاد الرهبان ونساؤهم إن كانوا غير مترهبين.
والاصل في ذلك أن الله عزوجل أباح أموال المشركين فإن قيل فلم لا تمنع ماله؟ قيل كما لا أمنع مال المولود والمرأة وأمنع دماءهما وأحب لو ترهب النساء تركهن كما أترك الرجال فإن ترهب عبد من المشركين أو أمة سبيتهما من قبل أن السيد لو أسلم قضيت له أن يسترقهما ويمنعهما الترهب لان المماليك لا يملكون من أنفسهم ما يملك الاحرار فإن قال قائل وما الفرق بين المماليك والاحرار.
قيل لايمنع حر من غزو ولا حج ولا تشاغل ببر عن صنعته بل يحمد على ذلك ويكون الحج والغزو لازمين له في بعض الحالات ولمالك العبد منعه من
ذلك وليس يلزم العبد من هذا شئ.
الخلاف فيمن تؤخذ منه الجزية ومن لا تؤخذ (قال الشافعي) رحمه الله تعالى: المجوس والصائبون والسامرة أهل كتاب فخالفنا بعض الناس فقال: أما الصابئون والسامرة فقد علمت أنهما صنفان من اليهود والنصارى وأما المجوس فلا أعلم أنهم أهل كتاب وفي الحديث ما يدل على أنهم غير أهل كتاب لقول النبي صلى الله عليه وسلم (سنوا بهم سنة أهل الكتاب) وأن المسلمين لا ينحكون نساءهم ولا يأكلون ذبائحهم (1) فإن زعم أنهم إذا أبيح أن تؤخذ منهم الجزية فكل مشرك عابد وثن أن غيره فحرام إذا أعطى الجزية أن لاتقبل منه وحالهم حال أهل الكتاب في ان تؤخذ منهم الجزية وتحقن دماؤهم بها إلا العرب خاصة فلا يقبل منهم إلا الاسلام أو السيف وقال لى بعض من يذهب هذا المذهب ما حجتك في أن حكمت في المجوس حكم أهل الكتاب ولم تحكم بذلك في غير المجوس؟ فقلت الحجة أن سفيان أخبرنا عن أبى سعيد عن نصر بن عاصم أن على بن أبى طالب رضى الله عنه سئل عن المجوس فقال: (كانوا أهل كتاب) فما قوله (سنوا بهم سنة أهل الكتاب) قلت كلام عربي والكتابان المعروفان التوراة والانجيل ولله كتب سواهما قال وما دل على ما قلت؟ قلت قال الله عزوجل (أم لم ينبأ بما في صحف موسى * وإبراهيم الذى وفى) فالتوراة كتاب موسى والانجيل كتاب عيسى والصحف كتاب إبراهيم ما لم تعرفه العامة من العرب حتى
(1) كذا في غير نسخة.
وتأمل العبارة فإنها غير تامة - ا ه.