فهرس الكتاب
.والناس في التصديق على ثلاثة منازل: فمنهم من صدّق بالله (1) تعالى، وبِما جاء منه بقلبه، فأقر بذلك بلسانه، فهو عند الله وعند الناس مؤمن. ومنهم من صدّق بلسانه، وكذب بقلبه، فهو عند الله كافر، وعند الناس مؤمن، لأن الناس لا يعلمون ما في قلبه، وعليهم أن يسموه (2) مؤمنا بِما ظهر لهم من الإقرار بِهذه الشهادة، وليس لهم (3) أن يتكلفوا علم القلوب. ومنهم من يكون عند الله مؤمنا وعند الناس كافرا، وذلك أن الرجل يكون مؤمنا بالله، يظهر الكفر بلسانه في حالة التقية، [42أ] فيسميه من لا يعرف أنه كافر شقي، وهو عند الله مؤمن سعيد (4)
(1) في الأصل: صدق لله. والتصويب من العالم والمتعلم 15؛ والأصول المنيفة 83؛ والسياق.
(2) في الأصل: أن يسمونه. والتصويب من العالم والمتعلم 15؛ والانتقاء 321 0
(3) في الأصل: وليس عليهم . والتصويب من المصدرين السابقين؛ ومناقب المكي 77.
(4) وردت هذه الرواية كذلك في العالم والمتعلم 15؛ والانتقاء 320-321؛ ومناقب المكي 76-77؛ ومناقب الكردري 158؛ والطبقات السنية 1: 155. وانظر كذلك: الملل والنحل للبغدادي 140.
قال الإمام أبو حنيفة في الوصية ص72:"الإيِمان إقرار باللسان وتصديق بالجَنان. والإقرار وحده لا يكون إيِمانا، لأنه لو كان إيِمانا لكان المنافقون كلهم مؤمنين. وكذلك المعرفة وحدها لا تكون إيِمانا، لأنّها لو كانت إيِمانا لكان أهل الكتاب كلهم مؤمنين. قال الله تعالى في حق المنافقين { والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } (المنافقون،1) ، وقال الله تعالى في حق أهل الكتاب { الّذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم } (البقرة، 146) "، والّذي يظهر من رواية أبي مقاتل في الإيِمان وما ذكرناه من الوصية هنا أن الإقرار باللسان ليس جزءا حقيقيا للإيِمان عند الإمام، بل هو شرط لإجراء الأحكام في الدنيا، لِما أن تصديق القلب أمر باطنيّ، لابد له من علامة. فمن صدّق بقلبه ولم يقرّ بلسانه فهو مؤمن عند الله تعالى، وإن لم يكن مؤمنا عند الناس في أحكام الدنيا. ومن أقرّ بلسانه ولم يصدّق بقلبه كالمنافق، فهو بالعكس. قال العلامة ابن كمال باشا في 'رسالة في الإيِمان' ص 360:"وأما في الشرع فقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: إنه تصديق قلبي فقط … وأن الإقرار لا مدخل له في تَحقيق الإيِمان، ولكنه جعل علامة لإجراء الأحكام الإسلامية عليه، من الدفن في مقابر المسلمين، والصلاة عليه، وغيرهما من شرائط الإسلام. وقال به أيضا أبو منصور رحمه الله". وهو رأي جمهور المحققين. قال الإمام أبو المعين النسفي في تبصرة الأدلة 1: 25:"الإيِمان هو التصديق على قول أبي حنيفة - رضي الله عنه -، كذا ذكره في كتاب العالم والمتعلم. وهو اختيار الشيخ أبي منصور الماتريدي رحمه الله. وإليه ذهب أبو الحسن الأشعري وجماعة من المتكلمين". وذكر هو أيضا في 2: 799 منها، وفي التمهيد 378؛ وأبو البركات النسفي في الاعتماد ق76 ب:"وهو المرويّ عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -". وقال الإمام نور الدين الصابوني في البداية 87-88:"نصّ عليه أبو حنيفة - صلى الله عليه وسلم - في كتاب العالم والمتعلم". وقال الإمام التفتازاني في شرح العقائد 154:"والنصوص معاضدة لذلك". انظر كذلك: بَحر الكلام 169؛ شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز 2: 459-460؛ وشرح الفقه الأكبر للقاري 124-126؛ وشرح الوصية لملا حسين بن إسكندر 52-54.