فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 224

لا أكفر أحدا من أهل القبلة بذنب يصيبه، فقال مالك: أصاب. قلت: وكان يقول أكثر من هذا، يقول: وإن ركبوا الكبائر وأصابوها، فإني لا أكفرهم، قال: أصاب. قلت: وكان يقول: وإن قتل رجلا ظلما متعمدا، فقال: أصاب. قلت: فهذا قوله، فمن أخبرك عنه بخلافه فلا تُصَدقْ. فقال لي: بلغني أنه كان يقول: إيِمانه كإيِمان جبريل، قلت له: بلغك الباطل، إنما كان يقول: إن الله تعالى بعث جبريل رسولا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإلى من قبله من النبيين صلوات الله عليهم، وأمرهم أن يدعوا الناس إلى الإيِمان به، والتصديق بِما جاء به من عنده، وكان إيِمانُ جميع الأنبياء عليهم السلام ومن تابعهم إيِمانا واحدا، وكانت شرائعُهم مختلفةً. فلا أقول إيِمان فلان غير إيِمان فلان، لأني إن قلت ذلك فينبغي أن أقول: الإيِمان إيِمانان، وثلاثة، وأربعة (1) ، وأكثر من ذلك. وإنما دعا اللهُ تعالى إلى إيِمان واحد، وشرائع مختلفة (2) ، وينبغي لي أن أقول: قرآن هذا غير قرآن هذا، فلا أقول هذا، ولكن أقول: إيِمان وقرآن هذا كله سواء، [44أ] هكذا كان يقول. فقال عمر: فتبسم مالك، ولم يقل شيئا. قال: فقلت: إنه كان لا يشك، ويرى قول من يشك خطأ. قال: وما الشك؟ قلت: قوم قد آمنوا بالله ورسوله، ويقولون: قد كسبنا ذنوبا عظيمة، فلا ندري لعلنا قد خرجنا بذلك من الإيِمان، فإذا سأل أحدهم: أ مؤمن أنت؟ قال: نعم إن شاء الله، فقال: وهل أحد يقول ذلك! ثم قال: أكره ـ أو يكره ـ هذا القول (3) .

(1) في الأصل: وثلاث، وأربع. والتصويب من مناقب المكي 73؛ ومناقب الكردري 168؛ وأبو حنيفة لأبي زهرة 175.

(2) انظر وحدة الإيِمان واختلاف وكثرة الشرائع عند الإمام في العالم والمتعلم 13، 51، 53؛ ومناقب المكّي 77.

(3) ذكر هذه القصة المكّي في مناقب أبي حنيفة 72-73؛ والكردري في مناقب أبي حنيفة 168؛ وطاشكبري زاده في مفتاح السعادة 2: 203؛ وأبو زهرة في أبو حنيفة 175.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت