فهرس الكتاب
59-روي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أن سائلا سأله في المسجد [51أ] بالكوفة، فقال له في كلام له: أنت مرجئ؟ فقال له أبو حنيفة- رضي الله عنه: أنا راجٍ لله تعالى، وقد أخبر الله تعالى أن في عباده مُرْجَؤُون لأمره، قال الله تعالى { وآخرون مُرْجَؤُون لأمر الله إما يعذبُهم وإما يتوب عليهم } (1) ، فلو عذّبَهم كانوا مستحقين للعذاب، ولو تاب عليهم، كان فضله عليهم أوسع، ولطفه بِهم أكمل، وإحسانه إليهم أكثر، فلا تُنْكِر علَيَّ أن أرجَأْتُ أمر المذنبين من المسلمين وأهل القبلة إلى الذي خلقهم، وضَمِنَ العفو عن كثير من زلاتِهم، قال الله تعالى { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم، ويعفو عن كثير } (2) . فقيل له: فماذا تقول: أليس جائزا (3) أن يعذب اللهُ الزانيةَ والقاتل، إذا لم يُقَمْ عليهم الحدُّ، بالنار أبدا؟ فقال: إذا كان القاتل والزانِي مُقِرَّيْنِ بالله تعالى ورسوله وتصديقِه فيما جاء به عن الله تعالى، وأقرّ بالبعث والنشور، وبالغيب الذي مدح الله تعالى مَن آمن به، وأقر به، فقال { الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة } (4) ، فليس بجائز أن يقال بدوام عذابه. إنْ عذّبه الله تعالى بِما استحقه من جنايته فجائز، ويجوز أن لا يعذِّبه الله تعالى. فقيل له: ولِمَ لا يجوز [51ب] دوام عذابه؟ فقال: لِما صحَّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال {يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيْمان} (5)
(1) التوبة، 106. قرأ نافع والأعرج وابن نصاح وأبو جعفر وطلحة والحسن وأهل الحجاز: مُرْجَوْن، من أرجى يرجي، دون همز. وقرأ أبو عمرو وعاصم وأهل البصرة: مُرْجَؤُون، من أرجأ يرجىء، بالهمز (المحرر الوجيز لابن عطيّة الغرناطي 8: 269) .
(2) الشورى، 30.
(3) في الأصل: جائز.
(4) البقرة، 3.
(5) أخرجه بِهذا اللفظ: الترمذي 4: 714 في كتاب صفة جهنم، باب 10، برقم 2598 عن أبي سعيد الخدري، وقال:"هذا حديث حسن صحيح"؛ وابن خزيْمة في كتاب التوحيد 328، 384 عن عبد الله بن مسعود.