فهرس الكتاب
90-وروي عن أبي يوسف رحمه الله أنه كان يقول: دَعُوا الخصومات في الدين، والمِراءَ فيه، وارْضَوْا لأنفسكم ما رضي السلفُ الصالح لأنفسهم، فإنّهم [56أ] بعلمٍ وقفوا، وببَصرٍ نافذ كَفُّوا، وإنّهم كانوا على كشف الأمور أقوى، وبفضلٍ لو كان فيه أحرى، لأنّهم السابقون (1)
(1) أخرج ابن أبي العوام في فضائل أبي حنيفة وأصحابه (كما في عقيدة الإسلام والإمام الماتريدي لأبي الخير 236ـ237) عن أبي يوسف أنه قال:"ذروا الخصومةَ في الدين، والمِراَء فيه والجِدالَ، فإن الدين واضح بَيِّنٌ، قد فرض الله عز وجل فرائضه، وشرع سنته، وحدّ حدوده، وأحلّ حلاله، وحرّم حرامه، فقال { اليوم أكملت لكم دينكم وأتْممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } (المائدة، 3) ، فأحِلُّوا حلال القرآن، وحرِّموا حرامه، واعمَلوا بِمحكمه، وآمِنوا بالمتشابه، واعتبِروا بالأمثال فيه. فلو كانت الخصومة في الدين تقوى عند الله لسبق عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابُه بعده. فهل اختصموا في الدين، أو تنازَعوا فيه؟ وقد اختصموا في الفقه، وتكلَّموا فيه، واختلفوا في الفرائض والصلاة والحجّ والطلاق والحلال والحرام، ولم يَختصموا في الدين، ولم يتنازعوا فيه. فاقتصِروا على تقوى الله وطاعته. والْزَمُوا ما جرتْ به السنة، وكُفِيتُم فيه المؤنة. ودَعُوا ما أحدث المُحدِثون من التنازع في الدين والجِدالَ فيه والمِراءَ، فإنّ لزوم السنة عصمةٌ بإذن الله تعالى لمن لزمها، والذي سنَّها كان أعلمَ بِما في خلافها من الخطأ والزلل. وقد أنزل الله عز وجل في كتابه { وإذا رأيت الذين يَخوضون في آياتنا فأعرِض عنهم حتى يَخوضوا في حديث غيره } (الأنعام، 68) ، ولو شاء أنزل في ذلك جِدالا وحِجاجا، ولكنه أبى ذلك ونَهاهم فقال { فلا تقعُدوا معهم حتى يَخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم } (النساء، 140) ، وقال { فإن حاجُّوك فقل أسلمتُ وجهي لله ومن اتَّبَعَنِ } ( آل عمران، 20) ، ولم يقل: وحاجّهم".
قال الأوزاعي: اصبر نفسك على السنة، وقِفْ حيث وقف القوم، وقل بِما قالوا، وكُفَّ عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح، فانه يسعك ما وسعهم (تلبيس إبليس 16) .