فهرس الكتاب
وبَعْدُ: فَهَذِهِ تَعْزِيَةٌ هَاجِمَةٌ، ومَخْبَرَةٌ وَاجِمَةٌ، ألْقَتْ بعَصَاهَا، وخَذَفَتْ بحَصَاهَا؛ حِيْنَ جَاءَ نَعِيُ شَيْخِ العُلَماءِ، بَلْهَ بَلِيْغِ الأدَبَاءِ، العَالمِ الكَامِلِ، والأدِيْبِ الفَاضِلِ، بكْرٍ أبو زَيْدٍ، فَعِنْدَهَا اضْطَرَبَ قَلَمِي في سُقُوْطٍ، وكَادَ يأخُذُني اليَأسُ والقُنُوْطُ، لَوْلا رَحَماتٌ أتَذَاكَرُهَا، وتَرْجِيْعَاتٌ أتَرَادَدُهَا، فرَحِمَكَ الله أبَا عَبْدِ الله، وإنَّا لله وإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُوْنَ!
( وقَدْ قِيْلَ:
تَنَكَّرَ لي دَهْرِي ولَمْ يَدْرِي أنَّنِي أعِزُّ وأحْدَاثُ الزَّمَانِ تَهُوْنُ
وبَاتَ يُرِيْنِي الخَطْبَ كَيْفَ اعْتِدَاؤُهُ وبِتُّ أُرِيْهِ الصَّبْرَ كَيْفَ يَكُوْنُ
فَهُنَا؛ غَلَبَتْنِي المَغَالِبُ، ورَزَأتْنِي الرَّزَايَا، وهَمْهَمَتِ النَّفْسُ بالصُّعَدَاءِ، وأبْدَتِ العَيْنَ البُكَاءَ، وحَشْرَجَ الصَّدْرُ بالآهَاتِ والنِّدَاءِ، يَوْمَ جَاءَ الخَبَرُ يَجُرُّ النَّفْيْرَ، ويُهَيِّجُ الزَّفِيْرَ!
ومَا أحْسَنَ مَا قَالَهُ أبو الحَسَنِ البَرْمَكِيُّ:
رَحَلْتُمْ فَكَمْ مِنْ أنَّةٍ بَعْدَ زَفْرَةٍ مُبَيِّنَةٍ للنَّاسِ شَوْقِي إلَيْكُمُ
وقَدْ كُنْتُ أعْتَقْتُ الجُفُوْنَ مِنَ البُكَا فَقَدْ رَدَّهَا في الرِّقِّ حُزْني عَلَيْكُمُ
ومِنْ ضُرُوْبِ الأسَفِ؛ أنِّي بَيْنَا أنَا آخِذٌ بلِجَامِ القَلَمِ رَاكِضًا في نَمْنَمَةِ ومُرَاجَعَةِ كِتَابي «ظَاهِرَةِ الفِكْرِ التَّربَوِيِّ» تَبْيِيْضًا وتَرْوِيْضًا إذْ طَنَّتْ نَائِحَةُ اللُّغَةِ عَزَاءً في فَقِيْدِهَا وعَمِيْدِهَا الشَّيْخِ بَكْرٍ أبو زَيْدٍ رَحِمَهُ الله، فَجَمَحَ القَلَمُ بيَدِي، وهَزَّ عَضُدِي، وأذْرَفَ هُنَا دَمْعَةً مِهْرَاقَةً في رِثَاءِ شَيْخِي وشَيْخِهِ: