فهرس الكتاب
كَانَ رَحِمَهُ الله إمَامًا هُمَامًا بِلا مُدَافَعٍ، وفَاضِلًا مُنَاضِلًا بِلا مُنَازَعٍ، سَلِيْمَ العَقِيْدَةِ والمَنْهَجِ، نَقِيَّ المَدْخَلِ والمَخْرَجِ، حَسَنَ السِّيْرَةِ، مُحْسِنَ السَّرِيْرَةِ، صَافيَ المَشْرَبِ، طَيِّبَ المَطْلَبِ، عَلَيْهِ طَلاوَةٌ، وفِيْهِ حَلاوَةٌ، تَعْرِفُ مِنْهُ ولا تُنْكِرُ، وَاضِحُ العِبَارَةِ، سَانِحُ الإشَارَةِ، مَنْهُوْمُ عِلْمٍ وأذْكَارٍ، مَقْرُوْمُ تَألِيْفٍ وأسْطَارٍ، رُحْلَةٌ رَحَّالَةٌ خَفِيْفٌ، مُحَقِّقٌ مُدَقِّقٌ ظَرِيْفٌ، غَايَةٌ في التَّحْرِيْرِ، نِهَايَةٌ في التَّقْرِيْرِ .
هَكَذَا مَنْ خَالَطَهُ وعَرَفَهُ يَنْسُبُنِي إلى التَّقْصِيْرِ في وَصْفِهِ، ومَنْ جَهِلَهُ وغَالَطَهُ يَنْسُبُنِي إلى التَّغَالي فِيْهِ، مَعَ أنَّني لا ادَّعِي عِصْمَتَهُ، ولا أقُوْلُ بإجْمَاعِ كِلْمَتِهِ، بَلْ هُوَ بَشَرٌ مِنَ البَشَرِ، لَهُ وعَلَيْهِ، ويُؤخَذُ مِنْهُ ويُرَدُّ عَلَيْهِ، والله حَسِيْبُهُ، ولا نُزَكِّي على الله أحَدًا!
( لاجَرَمَ؛ فَقَدْ تَوَاقَفَتْ عِنْدَهُ التَّألِيْفُ، و تَثَاقَفَتْ مِنْهُ التَّصَانِيْفُ، بَارِعُ السَّبْكِ، رَافِعُ الشَّكِّ، لَهُ تَنْقَادُ البَلاغَةُ إرْسَالًا، ومِنْهُ تَأتي الفَصَاحَةُ إسْلَالًا، لَيْسَ عَنْهُ أئِمَّةُ اللُّغَةِ والبَلاغَةِ ببَعِيْدٍ، ولا سَحْبَانُ والجَاحِظُ بفَرِيْدٍ، ولا الرَّافِعِيُّ وشَاكِرٌ بشَرِيْدٍ، قَدْ اكْتَسَى مِنَ الكِسَائِي بكِسَاءٍ، وتَدَثَّرَ مِنَ الفَرَّاءِ بفِرَاءٍ، وانْتَهَلَ مِنَ مَعَيْنِ النُّحَاةِ بدِلاءٍ، وارْتَوَى مِنْ كَأسِ البُلَغَاءِ بصَفَاءٍ .
ولَوْلا التَّطَاوُلُ والتِّقْوَالُ، لَقُلْتُ: كَادَ أنْ يَقِفَ فَلَكُ اللُّغَةِ بَعْدَ بَكْرٍ، لَكِنْ لم تَزَلْ بَقِيَّةٌ في تمِيْمٍ وبَكْرٍ، ومَا زَالَ في بِلادِ الرَّافِدَيْنِ وأرْضِ الكِنَانَةِ مِنْ ذِكْرٍ!