فهرس الكتاب
وممَّا يَدُلُّ على إنَاخَةِ كَلْكَلِ الزَّمَانِ بَعْدَ النَّبَاهَةِ عَلَيْهِ، وصَرْفِ صُرُوْفِهِ بَعْدَ البَلاغَةِ إلَيْهِ، مَا كَتَبَهُ وحَرَّرَهُ في مَجامِيْعِ كُتُبِهِ، ومَضَامِيْنِ رَسَائِلِهِ، ومُخْتَارَاتِ مَشَارِيْعِهِ، ومُجَوَّدَاتِ أطَارِيْحِهِ، وأفْنَانِ مَوَاضِيْعِهِ، فَدُوْنَكَ مَا سَطَّرَهُ وأمْلاهُ، ومَا اخْتَارَهُ وجَنَاهُ، ففِيْهَا كِفَايَةٌ ومَقْنَعٌ، لكُلِّ طَالِبٍ ومُصْقَعٍ، وشَارِبٍ ومُكْرَعٍ!
فَإذَا كَانَ غَيْرُهُ يَكْتُبُ كَما يُرَادُ، فَشَيْخُنَا يَكْتُبُ كَما يُرِيْدُ، وبَيْنَ الحَالَيْنِ بَوْنٌ بَعِيْدٌ، وكَيْفَ جَرَى الأمْرُ ففَرْقٌ بَيْنَ الرَّائِدِ والمُرِيْدِ، ولَهُ التَّصَانِيْفُ السَّائِرَةُ، والتَّآلِيْفُ الرَّائِدَةُ، قَضَى بحُسْنِهَا وتَحْسِيْنِهَا أهْلُ الشَّرْقِ والغَرْبِ، وحَكَمَ ببَيَانِهَا وتَبْيِيْنِهَا أهْلُ العِلْمِ والأدَبِ .
فَكَانَ مِنْهَا مَا يَأخُذُ بلُبِّ الحَازِمِ اللَّبِيْبِ، ومِنْهَا مَا يَمْلِكُ لُبَابَ كُلِّ أدِيْبٍ، وبَيْنَهَا مَا يَقْمَعُ المُتَعَالمَ والمَجَاهِيْلَ، ومِنْهَا مَا يَرْفَعُ الظُّلْمَ عَنِ المَرْأةِ والأرَاجِيْلِ .
إذَا ثَنَى قَلَمَهُ في بَحْثِ مَسْألَةٍ فحَدِّثْ ولا حَرَجَ، وإذَا اسْتَرْسَلَ في مَوْضُوْعٍ لا يَكَادُ عَنْهُ يَخْرُجُ، مَعَ فَصَاحَةِ لِسَانٍ، وبَلاغَةِ تِبْيَانٍ، لَهُ اليَدُ الطُّوْلى في حُسْنِ التَّصْنِيْفِ، وسَبْكِ العِبَارَةِ والتَّحْذِيْفِ، وبَرَاعَةِ التَّرتِيْبِ والتَّقْسِيْمِ، وجَوْدَةِ التَّحَرِّي والتَّقْوِيْمِ .