فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 69

وعَوْدًا بَعْدَ بَدْءٍ؛ ومَعَ هَذَا وذَاكَ فَقَدَ غَلَّبَ شَيْخُنَا رَحِمَهُ الله جَانِبَ العُزْلَةِ، ورَجَّحَ صَفَاءَ الخَلْوَةِ، فارْتَاضَتْ نَفْسُهُ للوَحْدَةِ، وتَسَامَحَ مَعَ النَفْسِ الفَرْدَةِ، واكْتَفَى بالتَّألِيْفِ والتَّقْيِيْدِ، والقِرَاءةِ والتَّصْيِيْدِ، فانْجَمَعَ عَنِ النَّاسِ، واجْتَمَعَ إلى نَفْسِهِ بإيْنَاسِ .

فَلا يُخَالِطُ إلَّا على نُدُرٍ، ولا يُجَالِسُ إلَّا على قَدَرٍ، فَكَانَ فِيْهِ مِنَ النَّاسِ نُفْرَةٌ، ولَهُ في المَاضِيْنَ عِبْرَةٌ، وفِيْهِ مِنَ الحَنَابِلَةِ نَزْعَةٌ، إذْ كَانُوا يَجِدُوْنَ في الخَلْوَةِ مُتْعَةً ...!

ولَيْسَ ذَا بعَيْبٍ يُعِيْبُهُ، ولا رَيْبٍ يُرِيْبُهُ! لاسِيَّما والرَّجُلُ للنَّاسِ بكُتُبِهِ نَافِعٌ، ولنَفْسِهِ باللَّحْظِ جَامِعٌ، ولرَبِّهِ بالعِبَادَةِ طَائِعٌ! هَذَا إذَا عَلِمْنَا أنَّ شَرَّ الزَّمَانِ في ازْدِيَادٍ، وأهْلَهُ في رِيْبٍ وعِنَادٍ، والهَوَى غَالِبٌ غَلَّابِ، والجَهْلُ جَالِبٌ جَلَّابٌ، والسَّاعَةُ قَابَ قَوْسَيْنَ أو أدْنَى؟!

ومَا وَرَاءَ شَيْخِنَا إذَا اسْتَكَانَ طَبْعُهُ، ورَاضَ قَلْبُهُ، بحَدِيْثِ النَّبِيِّ ?: «أمْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، ولْيَسَعْكَ بَيْتُكَ وابْكِ على خَطِيْئَتِكَ» التَّرمِذِيُّ .

( ولله دَرُّ القَائِلِ:

تَوَارَيْتُ مِنْ دَهْرِي بظِلِّ جَنَاحِهِ فعَيْنِي تَرَى دَهْرِي ولَيْسَ يَرَاني

ولَوْ تَسْألُ الأيَّامُ مَا اسْمِي لمَا دَرَتْ وأيْنَ مَكَاني مَا عَرَفْنَ مَكَاني

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت