فهرس الكتاب
في تلك الاثناء كانت الحكومة في بغداد تقوم بالخطوات الازمة لقطع ما تبقى من علاقات بينها وبين العالم الخارجي . ففي التاسع من أغسطس وبعد إعلان ضم الكويت بأربع وعشرين ساعة قرر العراق إغلاق حدوده وإبقاء جميع الاجانب على أراضيها"لأسباب أمنية"الأمر الذي كان سيحول ثلاثة ملايين شخص إلى رهائن .
كما أعلن العراق بأنه على جميع السفارات الأجنبية في الكويت ان تغلق أبوابها في غضون أربع وعشرين ساعة . لكن الصحافة الأجنبية عوملت معاملة خاصة . فمنح الصحفيون حرية الدخول والخروج . وأحسنت بغداد بصورة خاصة معاملة شبكات التلفزيون الأميركية .
وعلق المسؤولون العراقيون على الحصار والاجراءات العسكرية ضدهم بقولهم:"نستطيع العيش بدون بيبسي (كولا) وبدون كومبيوترات ماكنتوش وبدون ويسكي". لكنهم لم يذكروا أن العراق كان معاني من نقص في الحبوب وأنهم كانوا يستوردون ثلاثة أرباع ما يستهلكونه من القمح وكميات كبيرة من الأرز والسكر واللحم . والواقع أن العراق كان قد قام بتخزين حاجياته بسبب توقعهم حدوث الأزمة .
وفجأة اختفى صدام حسين بصورة غريبة من البلاد التي أعاد تشكيلها . كانت صورته في كل مكان: في الشوارع وعلى جوانب التماثيل والبنايات العامة . وكان قد أوجد حقائق جديدة ، وأعاد صياغة غيرها على طريقته . وأقام في بغداد صرحا شبيها بقوس النصر الباريسي أسماه"سواعد النصر"وطوله نحو ثلاثين قدما وعلى شكل سيفين متقاطعين يحملهما ذراعان ضخمان من البرونز . وكان تصميمه يمثل الشعار الذي اتخذه صدام والذي يرمز إلى انتصار العراق على إيران ـ وهو الانتصار الذي لم يحدث . لكن الشعب العراقي لم يحتج على ذلك بسبب يقظة البوليس السري . وكما قال أحد الدبلوماسيين فانه لم تكن تصل إلى البلاد"سوى لقطات من حقائق العالم الخارجي". إذ كان صدام قد كون البلاد على صورته هو . فصارت مثله تجهل ما يجري في الخارج وتنعم بعزلتها .