ح ـ خروج الإنشاء عن حقيقة معناه ليعبر عن معنى آخر يفهم من السياق كخروج الاستفهام إلى تقرير أمر ما، وهو ما يسمى بالاستفهام التقريري (56) ، أو خروجه إلى معنى التحذير (57) ، أو الإنكار (58) . وكذا الحال في الأمر الذي يخرج معناه إلى الوعيد (59) .
ط ـ التقديم والتأخير: يحدث في الجملة أن تتقدم كلمة على أخرى لغرض بلاغي، مما يكسب الكلام جمالًا وتأثيرًا، ويجعل للتقديم والتأخير مكانة سامية في علم المعاني، وقد أشار أبو عبيدة إلى أماكنه في القرآن وتنبه إليها ولكنه لم يكن يذكر السبب البلاغي الذي حصل من أجله التقديم والتأخير (60) .
ي ـ الكلام بالواحد على لفظ الجمع بغرض التفخيم. وكثيرًا ما ردد أبو عبيدة أن العرب تتكلم بهذا أو تفعله. (61) .
ولكن يجدر بنا بعد هذا البيان أن نشير إلى أن فهم أبي عبيدة للصورة البيانية بوجه عام لا يتعدى الفهم اللغوي، فهو يتعرض لكل الفنون البيانية المتعلقة بالأسلوب، ويعدها من المجاز اللغوي، وكثير من الاستعارات والتشبيهات في القرآن تدخل نطاق الحرج لأنها تتعلق بالذات أو بالعقيدة، أو بصورة البعث، وموقف أبي عبيدة من هذه جميعًا موقف اللغويين، يأخذ بظاهر القول إلى أمد محدود غايته المعنى المجازي القريب، وهو المذهب الذي عرفوا به (62) ، ولكن استعماله للكناية في الدلالة على فن من فنون الأسلوب قريب من استعمال البلاغيين للدلالة على الاصطلاح البلاغي المعروف،"الكناية"، (63) .
ثالثًا: أبو عبيدة النحوي:
بان لنا أن أبا عبيدة يوجه جل اهتمامه إلى اللغة ثم البلاغة ليكون الجانب النحوي عنده أضعف الجوانب، واحتفاؤه به قليلًا. ولا بأس علينا أن نتلمس شخصيته النحوية من خلال هذا القليل فنجده:
أ ـ لا يحتفي بإيراد وجوه القراءات احتفاء غيره بها، وأن أورد منها شيئًا فأحيانًا يكتفي بوجه واحد (64) ، وحينًا بوجهين (65) ، ونادرًا بثلاثة وجوه (66) .