فالمطر الغزير الذي استهطله الشاعر، بعد الغيث ذاك، والذي صوّره بعدة ألفاظ وعبارات تنتمي إلى حَقْلَيْ الغزارة والديمومة (جادت، عين ثرّة، سَحًّا، تَسْكابًا، يجري عليها الماء، لم يتصرّم) قد لقح الأرض الخصبة، وملأ الأرجاء ماء عذبا، بعد أن جاد عليها بالماء الوفير الذي صبّه عليها بسخاء، وفرّغه فيها بشدة، وأخصب الروضة بما جرى منه في عروقها من غير انقطاع. وربما خصّ الشاعر مطر العشية بالذكر؛ لكونه أدوم، ولكون هذا الوقت أنسب الأوقات للتلقيح والإخصاب.
إن رغبات مكبوتة في أعماق الشاعر، هي التي صاغت الغيث القليل الدمن، وهي ذاتها التي صاغت المطر الغزير وماء الإحياء؛ تتمثل في التوق الشديد إلى لقاء المحبوبة، ومعانقتها، والرغبة القوية في تقبيل ثغرها الطيب الرائحة، وارتشاف مائه العذب حتى الارتواء، والرغبة الجامحة في الإخصاب، والحياة الحافلة بعناصر الجمال. ولعل بعض هذه الرغبات تلتقي رغبات له مماثلة، تُستشف من صورة الثغر المتقدمة على لوحة الروضة
(... أصلتي ناعم عذب مقبله لذيذ المطعم) .
لقد كان فعل المطر الغزير في الطبيعة - الروضة فعلًا سحريًا، وكان أثره فيها رائعًا، وخيّرًا ؛ وقد بدا ذلك في صورة الحديقة، أو الحدائق التي شبّه الشاعر ما استقر فيها من الماء بصورة الدرهم ؛ في الاستدارة، والبياض، والبريق، واللمعان. ففي صورتي الحديقة والدرهم، وهما صورتان حسيتان، دلالات ذهنية تتجاوز الشكل الخارجي والمعنى الظاهري إلى ما هو أبعد وأعمق؛ منها دلالات الخصب والخير العميم، والثراء والغنى، وفرح الطبيعة - الروضة بذلك، وبهجتها، وسعادتها، والاستبشار بحياة جميلة مشرقة. نعم، أوجد المطر في الطبيعة روضة، وفي الروضة حديقة، تبعث كل منهما في النفس شعورًا غامرًا بالجمال، وإحساسًا عارمًا بروعة الحياة، وأملًا كبيرًا بالسعادة فيها، وما هذه الروضة، أو الحديقة إلاّ المعادل الفني لعبلة - الحلم.