فهرس الكتاب
  • 📄

  • 📄
الصفحة 12 من 40

وإذا تجاوز الدارس صيغة (أُنُف) إلى صيغ أُخر من الجذر المشترك، ومنها (الأَنُوفُ) ؛ أي المرأة الطيبة ريح الأنف، يعجبك شمُّكَ لها، و ( الأَنِفُ) ؛ أي الأبي الكريم النفس، و ( الأَنَفَةُ) ؛ أي الكبرياء وعزة النفس وإباء الضيم (12) ، تبيّن له أن عنترة لم يختر لفظة (أُنُف) صفة للروضة اختيارًا عبثيًا عشوائيًا، وأيقن أنه كان يعيش - لحظة الإبداع الشعري- في عالم الدلالات المتنوّعة للجذر (أنف) ، التي تصور عبلة (الحلم) بصفاتها التي ذكرت آنفًا؛ من طيب رائحة، وعفة ونقاء، وعزة نفس، وكبرياء، وتأبّ، وتمام، وكمال. ولا يغيب عن مدقق أن هذا الجذر اللغوي الذي يلد (الأنفة) كان يحيا في داخل عنترة الفارس الشجاع الأبي، وأنّ صفة (أُنُف) التي أضفاها على الروضة - عبلة - استلّها من مكنونات النفس، والسيرة الذاتية، وانتقاها من معجمه اللغوي الخاص؛ ولعل خلوّ صور الروضة من هذه اللفظة، لدى غيره من الشعراء، دليل على ذلك.

الغيث القليل اللبث (غيث قليل الدمن) الذي أصاب الروضة جلا ما ظهر فيها من نبات وعشب، وداعبه مداعبة لطيفة، كي يفوح بما في الثنايا من الروائح الزكية العطرة، ولامس الأرض ملامسة خفيفة عابرة لتبث ما تختزنه من رائحة منعشة، وما تحبسه من أنفاس شهيّة. وغيث عنترة المداعب، الملامس، المهيّج هذا - فيما يبدو - يثير في الروضة رغبة قوية في معانقة السماء، واحتضان الماء، ويهيّئ لفعل الإخصاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت