صورة وعاء المسك (فأرة التاجر) التي سبقت حديث الروضة، لم تحقق غرض الشاعر الذي نشده، فيما يبدو، ولم تنهض بما أراد التعبير عنه، فراح يستعين بصورة أخرى أوسع رقعة من وعاء المسك وأرحب، وأغنى طيبًا، وأكثر تنويعًا في الروائح الطيبة الزكية، وهي صورة الروضة.
روضة عنترة الفنّية غير محددة، وإن كان الوصف عبر الأبيات يرسم لها صورة واضحة المعالم تميزها، وتعرّف بها. وهذا يعني أن عنترة تعمّد أن تكون روضته (المعادل الفني لعبلة) مطلقة، ومنفلتة من إسار المكان، متجاوزة حدوده، ومتخطية أبعاده الجغرافية؛ كي يوجدها حيثما يشاء، ويكوّنها كما يحلو له أن تكون عليه. وهو يؤكد ذلك بجعل المكان الذي أنبت فيه هذه الروضة مجهولًا، غير معروف، وغير مشهور، بقوله: (ليس بمعلم) . والصفات والأوصاف التي تنعت الروضة، على امتداد الأبيات، أدلّة على أن عنترة لا يلتقط صورة حرفية لروضة ما في الطبيعة، ولا يحاكي روضة بعينها في بيئته، وإنما هو يصوغ روضة (معادلًا فنيًا لعبلة ) ، ويبدعها، بفيض من مشاعره وأحاسيسه حيال المحبوبة، ورغباته المكبوتة، ودوافعه النفسية المخبوءة، وبوحي من الخيال والحلم معًا.
تستوقف المتلقي - بدءًا - لفظة (أُنُف) ؛ الصفة الأولى لهذه الروضة، وهي ملتصقة بها - تركيبًا ومعنًى - التصاقًا شديدًا، بل هي تكاد تنصهر فيها انصهارًا كليًا. ومن شأن هذه الصفة أن تسبغ على نبات الروضة الكمال والتمام، وأن تصون للروضة بكارتها، وتحفظ عفتها؛ إذ لا أحد وطئها، ولا أحد رعاها، ولا أحد عبث بها، أو دنّس نقاءها.