بناء على ما سبق من الحديث عن الروضة، والتقديم الحسي للمعاني الذهنية، في شعرنا القديم، والصور الحسية المتنوعة، ودلالاتها النفسية والإنسانية، يتقدّم البحث خطوة ليقف على نصوص الروضة الغزلية المتخّيرة.
روضة عنترة (9) :
تسبق صورة الروضة الزاهية الفوّاحة أبيات غزلية تتعالق بها؛ معنًى، وصياغة، تنقل الشاعر، والمتلقي معه إلى فضاء الصورة انتقالًا ذهنيًّا وشعوريًا ؛ منها (10) :
إذْ تَسْتَبيكَ بأَصْلتيٍّ ناعمٍ عذْبٍ مُقَبَّلُهُ لذيذِ المَطْعَمِ
وكأنَّ فَأْرةَ تاجرٍ بقسيمةٍ سبقتْ عوارضَها إليكَ من الفمِ
فهو في هذين البيتين يُعنى عناية شديدة بصفات الثغر أو الفم؛ من بريق وإشراق وضياء، وطيب رائحة، وعذوبة ماء. وهذا يعني أن البيتين؛ الأول بصورتيه الوصفيتين: البصرية اللونية، والذوقية، والثاني بصورته التشبيهية الشمّيّة التي شبه فيها الفم بوعاء المسك في انبعاث الرائحة الطيبة، وتضوّعها، يركزان على معانٍ محددة تلتقي مثيلاتها في صورة الروضة الكليّة، ولا سيّما الإشراق والبهاء، والأنفاس الطيبة المنعشة. ويلي ذلك حديث الروضة معطوفًا على فأرة التاجر،وهو قوله (11) :
أََوْ رَوْضةً أُنُفًا تَضَمَّنَ نبتَها غيثٌ قليلُ الدِّمْنِ ليس بِمَعْلَمِ
جادتْ عليها كلُّ عينٍ ثَرَّةٍ فتركْنَ كلَّ حديقةٍ كالدّرهمِ
سَحًّا وتَسْكابًا فكلُّ عشيّةٍ يجري عليها الماءُ لم يتَصَرَّمِ
فترى الذبابَ بها يُغنّي وَحْدَهُ هَزِجًا كفعلِ الشاربِ المُتَرَنِّمِ
غَرِدًا يَسُنُّ ذِراعَهُ بذراعِهِ فِعْلَ المُكِبِّ على الزنادِ، الأجْذمِ
تستأثر روضة عنترة الغزلية بقسط وافر من حديث الغزل الذي لايتجاوز عشرة أبيات، من بناء القصيدة - المعلقة - التي تقع - حسب رواية الأعلم الشنتمري، وشرحه - في خمسة وثمانين بيتًا. وهذا يعني أن صورة الروضة أبرز ما في حديث عنترة عن مفاتن عبلة ومحاسنها.