أما في الشعر، فالروضة صورة فنيّة، قد تكون مقتطعة من الواقع، والبيئة الحياتية، وقد لا تكون كذلك، يختلق الشاعر غير قليل من عناصرها، وهو أمر مشروع في الفن، بيد أنه في الحالين معًا يُعمل فيها المخيّلة، ويخرجها إلى الوجود بلغته المميزة التي هي وسيلة في تشكيل الصورة؛ بخطوطها وظلالها، وألوانها. والروضات الغزلية التي يدرسها هذا البحث مشاهد طبيعية مجتزأة من البيئة؛ لتناثر الروضات أو الرياض في أنحاء الجزيرة العربية، موطن الشعر والشعراء، ذكر ياقوت الحموي (136) ستًا وثلاثين ومئة روضة منها، بأسمائها، ومواضعها، وصفاتها، والأشعار التي قيلت فيها (4) . ولكن هذه المشاهد لم تنقل إلى الشعر نقلًا حرفيًا أمينًا، إذ إن الشعر لا يحاكي الطبيعة أو ما فيها محاكاة حرفية ودقيقة، ولا يصورها كما هي عليه، وإنما يحوّر فيها، ويتفنن في تشكيلها، حتى تغدو الصورة كما يريدها أن تكون عليه، ولاسيما الصورة الطبيعية التي يشخص الشاعر كائناتها غير الإنسانية؛ بخلع الصفات والخصال البشرية عليها، كما هو الحال في بعض الروضات الغزلية في هذا البحث.
والشاعر القديم - كما لاحظ النقاد - اعتمد على الحواس في تشكيل الصورة اعتمادًا كبيرًا، فكان يقدم المعنى بطريقة حسية كما يقدمه الرسام؛ هذا عن طريق المشاهد التي يرسمها على اللوحة ليتلقاها المشاهد تلقيًا بصريًا، وذاك عن طريق لغته التي تثير في ذهن المتلقي صورًا يراها بعين العقل (5) .