للترجمة أهمية حيوية في التواصل الحضاري بين الأمم، حيث أغنت البشرية جمعاء بمكانتها المتميّزة بين العلوم والآداب؛ بعد أن سبقت رحلَتها إلى شاطئ الاستقلالية مرحلةٌ ليست بقصيرة جعلت منها مجالًا متأرجحًا أميل إلى التبعية والفرعية. واليوم، تشهد الترجمة تطوّرًا ملحوظًا تعبّر من خلاله عن دورها الريادي في تعميق أواصر التواصل والأخذ والعطاء بين شعوب المعمورة. فأيام الازدهار العباسي للترجمة التي لخّصها المأمون بتشجيعه للمترجمين عندما كان يمنح المترجم وزن الكتاب المترجم ذهبًا ليست أقلّ شأنًا ممّا تتمتع به الترجمة في أيامنا هذه من أن ترجمة كتاب حديث العهد يعدّ أثرًا بعيد المدى كالذي يؤلّف كتابًا تخصصيًا. لقد ذهب بعض المنظرين في مجال الترجمة إلى اعتبار مفهوم التخاطب برمّته-مكتوبًا أو شفهيًا- شكلًا من أشكال الترجمة. ووُضعت مبادئُ عامةٌ للترجمة في مؤلفات خاصّة بعلم الترجمة (A.F. Tytler) ثمّ ظهرت تخصصات لهذه المبادئ عبّرت عن عمق التجربة الترجمية للمؤلفات العديدة في مختلف ميادين العلوم والمعرفة كمبادئ ترجمة الأدب من شعرٍ ونثرٍ ومسرح، ومبادئ ترجمة النصّ العلمي، وأنواع شتّى لتقنيات الترجمة وأساليبها. كذلك فرض ظهورها كعلم مستقلّ معايير هامّة لتدريسها ولا سيّما عملية اختيار النصّ وآلية ترجمته وتحقيق التوازن بين الأمانة العلمية والهدف الأساسي للنصّ المطروح.
ويأتي هذا البحث ليجيب على تساؤل جوهري حول ماهية الترجمة وأهمية استقلالها وتمتّعها بخصائصها المنفردة علمًا وفنًا ومهارةً لا تقلّ شأنًا عن باقي العلوم.
كلمات مفتاحية: استقلالية الترجمة؛ تبعية الترجمة؛ الترجمة علم وفن ومهارة؛ نظرية الترجمة الحديثة.
مجلة جامعة تشرين للدراسات والبحوث العلمية _ سلسلة الآداب والعلوم الإنسانية المجلد (29) العدد (1) 2007