مجلة علوم إنسانية
السنة الخامسة: العدد 35: خريف 2007
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أ.د. محمد الحباس
أستاذ الدراسات اللغوية بجامعة الجزائر
يعتبر هذا الموضوع من الموضوعات التي استرعت اهتمام الكثير من الدارسين العرب المحدثين ، وقد وقع بينهم خلاف حوله ، ولعل أسباب الخلاف ما نجده من جهل بعضهم للفرق بين الفصاحة اللغوية والبيانية ، فكان بعض منهم يجري إحداهما على الأخرى فلا يجد مبررا للكثير من القضايا المتعلقة بهما ، وسنحول في هذا المقال إلقاء الضوء على كل من الفصاحتين ، كما سنبين منهج النحاة واللغويين في تحديدهم لرقعة الفصاحة اللغوية زمانا ومكانا ، وكذا توضيح السبب في ربطهم للفصاحة بالبداوة بعد زمان بدء التحريات الميدانية ، والرد على من زعم أن النحاة العرب قد ربطوا بين الفصاحة وبين الجنس العربي ربطا اعتباطيا لا مبرر له .
الفصاحة لغة:
اعتاد الدارسون ـ وخاصة العرب منهم ـ أن يحددوا المعنى اللغوي للمصطلحات، قبل المعنى الاصطلاحي ، وهذا للصلة الوثيقة الموجودة عادة بين المعاني اللغوية والمعاني الاصطلاحية للكلمات .
فالفصاحة في اللغة: خلو الشيء مما يشوبه ، وأصله في اللبن ، يقال: فصُح اللبن ، إذا ذهب عنه اللبأ ، أي الرغوة التي تغطي سطحه ) . قال نضلة السلمي):
فَلَمْ يَخْشَوْا مَصَالَتَهُ عَلَيْهِمْ وَتَحْتَ الرِّغْوَةِ اللَّبَنُ الْفَصِيحُ
ومعنى خلوص الشيء مما يشوبه كونه واضحا بينا ، واستعير للدلالة على البين من القول. ذكر الأزهري عن الليث ):"وقد يجيء في الشعر وصف العجم بالفصيح ، يراد به بيان القول ، وإن كان بغير العربية ، كقول أبي النجم يصف حمارا:"
أَعْجَمُ فِي آذَانِهَا فَصِيحًا
يعنى صوت الحمار أنه أعجم ، وهو في آذان الأُتُنِ فصيح بين"."