فالمعنى اللغوي للفصاحة من خلال هذه الأمثلة هو البيان والوضوح ، فكل ما كان بينا واضحا فهو فصيح ، ساء أكان كلاما أم غيره .
المعاني الاصطلاحية للفصاحة:
اضطرب مفهوم الفصاحة كثيرا لدى المحدثين من المهتمين بالدراسات اللغوية العربية، وهذا الاضطراب ناتج عن عدم تفريقهم بين الفصاحة بمعناها اللغوي وبين الفصاحة بمعناها البياني .
فالفصاحة اللغوية عند النحاة واللغويين العرب القدماء كانت تعني السليقة ، أي التكلم باللغة دون تعلم ) . وهذا المفهوم يمكن استنتاجه من كلام الجاحظ بوساطة المقابلة التي أقامها بين عدة مفاهيم متقاربة ، يقول:"فمن زعم أن البلاغة أن يكون السامع يفهم معنى القائل، جعل الفصاحة واللكنة ، والخطأ والصواب ، والإغلاق والإبانة ، والملحون والمعرب، كله سواء وكله بيانا") .
فإذا قابلنا بين هذه المفاهيم على النحو الأتي:
فصاحة: لكنة
صواب: خطأ
إبانة: إغلاق
معرب: ملحون
نلاحظ أن الفصاحة تقابل الخطأ واللحن ، ومقابلتها للحن يفهم منه الخروج عن أوضاع العرب في كلامها ، لأن هذا هو تعريف اللحن ، ولا يطلق على عدم الفصاحة البيانية اللحن، بل يطلق عليه العيّ وما شابهه ، ومن هنا ندرك أن الكلام في هذا المضمار مستويان: مستوى السلامة اللغوية ، وهو خلوه من اللحن ، ومستوى السلامة البيانية ، وهو اختيار الكلام الجيد المؤثر في السامع .
ونفس الكلام نجده عند الفارابي حين يقول:"فتصير عبارته خارجة عن عبارة الأمة، ويكون خطأ ولحنا وغير فصيح") ، فالخطأ واللحن يضادان الفصيح عنده ، كما رأينا عند الجاحظ .