وقد أفاض ابن خلدون في هذا الموضوع وبين أن ملكة اللسان تتعلم بالدربة والممارسة ، وليست طبعا ، ويمكن أن يجيد العربية الأعاجم كما أجادها العرب ، ويضرب لذلك أمثلة لعلماء أعاجم أجادوا العربية مثل سيبويه وأبي علي الفارسي والزمخشري)4 (. بل ويرد ابن خلدون على من زعم أن العربية كانت طبعا في أهلها ، ويبين أن:"الملكات إذا استقرت ورسخت في محالّها ظهرت كأنها طبيعة وجبلة لذلك المحل . ولذا يظن كثير من المغفلين ممن لم يعرف شأن الملكات أن الصواب للعرب بالطبع ، وليس كذلك، وإنما هي ملكة لسانية في نظم الكلام تمكنت ورسخت ، فظهرت في بادئ الرأي كأنها جبلة وطبع") 5(.
لقد وصف ابن خلدون من يعتقد هذا الاعتقاد بأنه مغفل ، فهل نظن أن العلماء الأفذاذ مثل أبي عمرو بن العلاء والخليل وسيبويه والأصمعي وابن جني وأبي علي الفارسي وغيرهم من أساطين النحو العربي يطلق عليهم وصف ابن خلدون ، أو أن ابن خلدون كان يقصدهم؟ حاش لله أن يكون ذلك ، وإنما كان ابن خلدون يقصد أناسا ممن لم يشموا رائحة هذا العلم فضلا أن يتقنوه ، ولكن حسب رأي إبراهيم أنيس وعبد التواب رمضان فإن هذا الوصف ينطبق على النحاة واللغويين العرب القدماء دون استثناء ، وهذا تقوُّل نربأ بألسنتنا أن تتفوه به، وبقلوبنا أن تعتقده .
وحين تطرق تمام حسان [1] إلى علاقة السليقة بالطبيعة فهم الملكة كما يفهمها علماء النفس على أنها أمر فطري فعد إبراهيم مصطفى من أنصار الطبع في السليقة اللغوية بسبب استخدامه لمصطلح الملكة ، وفاته أن ابن خلدون قد نص وأكد على أن الملكات ليست طبيعية وإنما هي مكتسبة ، وهذا الوهم ناتج عن عدم تفريقه بين الملكة التي هي مكتسبة، وبين القدرة التي هي فطرية [2] .