هذا التقول والزعم الباطل نشأ بسبب تحديد العرب القدماء لمفهوم الفصاحة والفصحاء، ولكن الحقيقة أن رواة اللغة كانوا علميين في تحديدهم للفصاحة . وقد أكد علماء النفس المحدثين أن المهارات لا تدرك إلا قبل اكتمال نمو الدماغ ، وهذا ما اعتمده علماء اللغة، وهم ـ وإن لم يدركوه علميا ـ فقد أدركوه بالتجربة والملاحظة ، حيث رأوا أن الكبار من العجم لا يستطيعون إتقان العربية مهما طلت إقامتهم في بلاد العرب:"ألا ترى أن الزنجي إذا جلب كبيرا فإنه لا يستطيع إلا أن يجعل الجيم زايا ، ولو أقام في عليا تميم أو سفلى قيس، وبين عجز هوازن خمسينا عاما") . فالجاحظ ـ كما تلاحظ ـ نص على الكبر، ومعنى هذا أنه إذا جلب صغيرا فإنه ينشأ عربي اللسان مثله مثل كل العرب ، وقد كان هذا موجودا كثيرا في بلاد العرب ، حيث كان الكثير منهم من غير العرب يجلبون صغارا ويباعون عبيدا، فكان الرواة يأخذون عنهم اللغة تماما كما يأخذون عن العرب .
هذه هي إذن نظرة الرواة العرب القدماء للفصاحة ، ولا توجد عندنا نصوص تبين أنهم كانوا يربطون بين الفصاحة وبين الجنس العربي إلا من الزاوية التي ذكرناها. جاء في اللسان:"رجل عربي إذا كان نسبه في العرب ثابتا ، وإن لم يكن فصيح ... ورجل معرب إذا كان فصيحا ، وإن كان عجمي النسب")3(.