فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 433

ويوضحه قول البقاعي: « لا يحكمون فيها بحكم مطرد ، وإنَّما يديرون ذلك على القرائن » [1] .

وخلاصة ما سبق نقله ، أنَّ الحكم في علل الحديث ليس قولًا واحدًا مطردًا في كلِّ حديث ، بل كلُّ حديث له حكم خاص به ، يعرف ذلك من قواعد عامة كلية استقرائية ، مجموعة من كلام الحفَّاظ ، من خلال أحكامهم على الجزئيات ، بتلمس الأسباب التي دعتهم إلى ترجيح رواية على أخرى مع سلامة المرجوح ابتداءً .

قال العلائي: « التعليل أمر خفي ، لا يقوم به إلا نقاد أئمَّة الحديث دون الفقهاء الذين لا اطلاع لهم على طرقه وخفاياه » [2] .

ومما يجب التَّنبُّه له هنا - ويعدُّ من مهمات علم العلل - أمورٌ منها:-

الأول:-أن قواعد هذا العلم وأصوله وضوابطه الكلية والفرعية لا تؤخذ إلا عن أهله السابقين الراسخين . فلا تؤخذ عن أقوال المعتزلة وأشباههم ممن ألف في الأصول ، وكانوا لا يعرف شيئًا عن الحديث وعلومه ، بل إن بعضهم كان عدوًا له ولأهله بقوله بردِّ أخبار الآحاد [3] . ومع هذا يتكلَّمون عن قواعد الحديث والرِّواية بكلام منطقي نظري في الأذهان ، لا نصيب له في الأعيان .

فكما نأخذ القراءات عن القرَّاء ، والفقه عن أهله وهكذا ، ولا نتقدَّم على أقوالهم ، ومن خالفهم جملةً رُدَّ قولهم وصار خارجًا عن العلم ورسمه ، فكذلك يقال لكل من خالف طرائق المحدِّثين السَّابقين تمامًا .

قال الإمام مسلم: « أعلم رحمك الله أنَّ صناعةَ الحديث ومعرفة أسبابه من الصحيح والسقيم إنما هي لأهل الحديث خاصة لأنهم الحفاظ لروايات الناس العارفين بها دون غيره » [4] .

(1) توضيح الأفكار (1/340) .

(2) النكت لابن حجر (2/606) ، وقد سبق .

(3) من أهم مؤلفاتهم في النكاية بأهل الحديث كتاب:"قبول الأخبار ومعرفة الرجال"لأبي القاسم البلخي المعتزلي ، وقد طبع مؤخرًا !!

(4) التمييز (ص218) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت