الصفحة 8 من 91

وليس بمستبعد أن يضع السيوطي خططًا عدة في وقت واحد، ثم يملأ أقسامها في أثناء قراءاته. وقد أكد هذا الاحتمال عندي ما رأيته في نهايات بعض الأقسام من آراء نص السيوطي صراحة على أنه اطلع عليها بعد إيراده ما سبق له تدوينه. فقد حدد في كتاب الاقتراح المصطلحات التي يضمها تعريف"أصول النحو". وبعد فراغه منها قال:"بعد أن حررت هذا الحد بفكري وشرحته وجدت ابن الأنباري قال:" (12) ، ثم ذكر نص كلام ابن الأنباري، وذيله بقوله:"وهذا جميع ما ذكره في الفصل الأول بحروفه" (13) ليدل على أنه نسخ كلام ابن الأنباري دون تلخيص أو تعديل. وقد تكرر الاستدراك من كتاب ابن الأنباري غير مرة في كتاب الاقتراح (14) . ومهما يكن لأمر فإن هذا الاحتمال يحتاج إلى دراسة مستقلة ترجحه أو تنفيه أو تؤكده جملة وتفصيلا. فإذا صح لدى الباحثين أمره فإنني أعتقد أنه يعينهم على تفسير غزارة التأليف لدى السيوطي.

إن نهج السيوطي في التأليف ينطلق من"عقلية حديثية"، هي، في رأيي، جوهر التكوين المعرفيّ للسيوطي. وأقصد بهذه العقلية تأثره الواضح بعلم الحديث رواية ودراية وجرحًا وتعديلًا. والمعروف أنه لم يخف هذا التأثر، ولم يجد حرجًا في نقله إلى الحقل اللغوي، واستعمال مصطلحاته فيه. وقد أشرت إلى هذا الأمر لأعلل الأمانة العلمية (النسبية) التي تتصف بها كتب السيوطي، من تصريح بأسماء الذين ينقل عنهم، وقرنها بأسماء الكتب التي ينقل منها غالبًا، وهذا كله يسمح لنا بدراسة طبيعة نقول السيوطي من الكتب لتحديد جوهر موقفه النظري غير المباشر من الأغلاط اللغوية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت