مقالة في بيان الفرق
بين خصائص علماء العلل والتفصيل
وخصائص علماء الجمل والتأصيل
الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على خاتم النبيين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
إن الفرق بين منهج علماء العلل ومنهج المتأخرين في وضع الاصطلاحات واستعمالها وشرحها - وقد تقدم - لا يمكن أن يستبين ويتضح بالقدر المطلوب ولا يتهيأ له أن يقوم قيامًا صحيحًا على أساس متين إلا إذا تبين الفرق بين منهجي هاتين الطائفتين في وضع القواعد والأصول واستعمالها وشرحها ؛ ولهذا رأيت أن أردف ما تقدم بيانه من فروق في الاصطلاحات ببيان الفروق في القواعد ، فأقول:
إن لكل علم رجاله الذين لا يُحسنه سواهم ولا يصح أن يستند فيه إلى غيرهم ؛ قال تعالى ( فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) (1) ؛ ومن هذه العلوم علم الحديث ؛ فهو أولى العلوم بالتسليم لأهله والرجوع به إلى أصله ، وأحراها أن يحذر المرء أن يخوض فيه بعقله ؛ لأنه عِلم لا يشبهه في نقله ولا نقدِه علمٌ آخرُ غيرُه .
أما نقْلُه فمبنيٌّ على الحفظ الواسع العجيب والضبط التامِّ المتقَن ، والأمانة التي لا يتطرّق إليها شكٌّ ، والتعب الذي لا تخففه راحة ، والتقوى والورع والاحتساب ؛ ومَن يَقدرُ على مِثل ما قدر عليه حفاظ الحديث وحملتُه ؟!
وأما نقده فمبني على الاطلاع الواسع ، بل الشامل ، والحذقِ التامِّ ، والفطنة الكاملة ، والتدقيق المتناهي في دراسة القرائن وفحصِها ، واستكشاف معانيها وتجميع دلالاتها ، والرسوخ في استنباط ما كمُن وراء العبارات واستخفى تحت الإشارات ، وعلى أمورٍ أخرى غيرِ قليلة من ملَكاتٍ وصفاتٍ وأحوالٍ وأفعال .
(1) النحل ( 43 ) والأنبياء ( 7 ) .