وما أحسن ما قاله فقيه النقد الحديثي في هذا العصر العلامة المعلمي اليماني رحمه الله تعالى إذ قال: ( ليس نقدُ الرواةِ(1) بالأمر الهيِّنِ ، فإنَّ الناقدَ لا بدَّ أن يكون واسع الاطلاع على الأخبار المروية ، عارفًا بأحوال الرواة السابقين وطرق الرواية ، خبيرًا بعوائد الرواة ومقاصدهم وأغراضهم ، وبالأسباب الداعية إلى التساهل والكذب ، والموقعة في الخطأ والغلط ، ثم يحتاج إلى أن يعرفَ أحوالَ الراوي: متى وُلد ؟ وبأيِّ بلد ؟ وكيف هو في الدين والأمانة والعقل والمروءة والتحفُّظ ؟ ومتى شَرَع في الطلب ؟ ومتى سَمِع ؟ وكيف سَمِع ؟ ومع من سمع ؟ وكيف كتابُه ؟ ؛ ثم يعرف أحوال الشيوخ الذين يحدث عنهم ، وبلدانَهم ، ووفَيَاتِهم ، وأوقاتَ تحديثِهم ، وعادتهم في التحديث ؛ ثم يعرف مروياتِ الناس عنهم ، ويعرض عليها مروياتِ هذا الراوي ويعتبرها بها ، إلى غير ذلك مما يطول شرحُه ؛ ويكون مع ذلك متيقظًا ، مُرْهَفَ الفهم ، دقيق الفطنة ، مالكًا لنفسه ، لا يستميله الهوى ، ولا يستفزّه الغضب ، ولا يستخفّه بادرُ ظنٍّ حتى يستوفيَ النظرَ ويبْلُغَ المَقَرّ ، ثم يُحْسن التطبيق في حُكمه ، فلا يجاوز ولا يقصِّر .
وهذه المرتبة بعيدة المرام عزيزة المنال ، لم يبلغْها إلا الأفذاذ ؛ وقد كان مِن أكابر المحدثين وأجلَّتِهم من يتكلم في الرواة فلا يُعَوَّل عليه ولا يُلتفت إليه ؛ قال الإمام علي بن المديني ، وهو من أئمة هذا الشأن: > ؛ وأبو نعيم وعفان من الأجلة ، والكلمة المذكورة تدل على كثرة كلامهما في الرجال ، ومع ذلك لا تكاد تجد في كتب الفن نقلَ شيءٍ من كلامهما ) (2) .
(1) ومثله يقال في نقد الأحاديث وتخريجها والحكم عليها ، وأولى منه انتقاد النقاد .
(2) مقدمة المعلمي لكتاب ابن أبي حاتم ( الجرح والتعديل ) ( صفحة ب - صفحة ج ) .