الصفحة 11 من 49

هذه المعاني عَرَف حقائقها الجادون الموفّقون أصحاب الهمم العلية من طلبة العلوم الشرعية ، عرفوا من علم الحديث منذ نشأته هذا الذي وصفتُه أو حكيتُه لك من صعوبته ووعورة مرتقاه وعزة مناله ، وعرفوا مع ذلك فضْلَ هذا العلم الشريف وخطره ، فشمروا عن ساعد الجد ، وراحوا يجوبون أقطار الأرض ليسمعوا كل ما يُروى عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن السلف ، فسمعوه وكتبوه ، ثم بعد ذلك جعلوا يتحفظونه فحفظوه في صدورهم ، ووثَّقوا حفظهم هذا وعضدوه بحِفاظهم على كتبهم كما كتبوها أول مرة ، إلى أن يبلِّغوا ما فيها لمن هم على شاكلتهم ، ولم يقفوا عند هذه الدرجة بل حرصوا غاية الحرص على تمييز ما ثبت من ذلك المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته وغيرهم من متقدمي العلماء عما لم يثبت منه بطريقة نقدية فريدة ما عرفها العالَم قبلَهم ، فهي من خصائص هذه الأمة المباركة ، فكانوا كما وصفهم ابن حبان رحمه الله إذ قال: ( فرسان هذا العلم الذين حفظوا على المسلمين الدين ، وهدوهم إلى الصراط المستقيم ، الذين آثروا قَطْع المفاوز والقِفار ، على التنعم في الديار والأوطان في طلب السنن في الأمصار ، وجمعها بالوجل والأسفار ، والدوران في جميع الأقطار ، حتى إن أحدهم ليرحل في الحديث الواحد الفراسخ البعيدة ، وفي الكلمة الواحدة الأيام الكثيرة ، لئلا يُدخِل مضلٌّ في السنن شيئًا يُضلُّ به ، وإن فعل فهم الذابّون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الكذب والقائمون بنصرة الدين ) (1) .

(1) المجروحين ( 1/27 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت