ولما كان هذا العلم - كما سلف وصفُه به - صعبًا عصيًا متأبيًا على غير أهله ، واجتمع إلى ذلك تفاوت طلابه في عقولهم واجتهاداتهم وهممهم وقدراتهم وأحوالهم ومقدار توفيق الله لهم وعونه إياهم: نتج عن ذلك أن علماء الحديث ليسوا على مرتبة واحدة في التمكن منه وحسن الفهم فيه وقوة النظر في مسائله ومتانة العلم بأحكامه وكثرة الإصابة فيه ، بل هم على مراتب لا يعلم قدرها ولا حقيقتها إلا الذي هو بكل شيء عليم .
ومما لا يخفى أنه ليس علينا معاشر الباحثين في هذه الأعصر أن نعرف مراتبهم على التفصيل الكامل الشامل الدقيق ، لأن ذلك ليس بوسعنا ؛ بل ليس بوسعنا معرفة ما هو أدنى من ذلك ، أعني معرفة مراتبهم وتفاصيل أحوالهم في علمهم كما يعرف العالم ذلك عن شيوخه الذين طالت ملازمته لهم ومداخلته لأحوالهم ، أو كما يعرف النبيه من المدرسين مراتب وخصائص طلبته ولا سيما عندما يتكرر منه اختباره لهم واستكشافه لملكاتهم ومقادير فهمهم وطرائقهم في تعلمهم .
نعم ، ليس ذلك علينا ، ولكن علينا ألا نقصر في معرفة كل ما يتهيأ لنا - أو ما نقدر عليه - من تفاصيل تتعلق بمراتبهم ولو على الإجمال ، وبمناهجهم ولو على التقريب ، فذلك علم لا يُستغنى عنه وبابٌ لا بد من دخوله .
وليس هذا هو موضوع هذا البحث ولكنه شيءٌ جرَّنا إليه الكلام المتتابع ، ثم إنه كالتمهيد لما نريد .
أما مراد البحث فهو تقسيم المحدثين بطريقة أخرى غير ما تقدم ، وهو تقسيمهم إلى طائفتين بينهما في الجملة كثير من الاختلاف ( نعم ، كثير من الاختلاف ) ، في الأصول العامة والقواعد الواسعة والضوابط الضيقة ، ثم بيان خصائص كل واحدة من الطائفتين وشرح ما لها وما عليها ، مع التزام الإنصاف والقسط والتثبت بحسَبِ الوسع والطاقة إن شاء الله تعالى وما التوفيق إلا من الله العليم الحكيم ؛ فأقول: