إذا جاء الباحث المطلع واستقرأ طرائق علماء الحديث في نقدهم واستكشف مقاماتهم في فنهم ، وجد أنهم كما ينقسمون إلى مراتب كثيرة متفاوتة ، فإنهم ينقسمون في الجملة إلى مرتبتين إجماليتين وفرقتين رئيسَتَيْنِ وطائفتين كبيرتين .
أما أُولى الطائفتين فجماعة من الأئمة الذين كانوا عجبًا في فنهم ، تمكن مذهل ، وحفظ تام وذكاء يتوقد ومعرفة بالتفاصيل تظن إذا سمعت منهم بعضها أنهم لا يكاد يخفى عليهم من مهمات أصول وفروع هذا العلم شيء ، وما ظنك من الحقيقة ببعيد .
وأما الطائفة الثانية فعلماء أفاضل ، ولكنهم دون أولئك بمراتب ؛ وليس ذلك بعيب فيهم ، فقد جعل الله لكل شيء قدرًا ؛ ولكن العيب أن لا يعرف المرءُ قدر نفسه وعلمه ، ولا يعرف لمن هو فوقه في العلم منزلتَه ؛ وقد وقع شيء من ذلك ، مِنْ قِبَلِ بعض المتأخرين أو المتعاصرين ، وأكثره كان عن حسن قصد ، ولكن ما كان ينبغي أن يكون ؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله .
ولم يقفِ الأمرُ عند هذا الحد ، بل تعداه إلى ما هو أخطر بكثير ، فإنَّ هذه الصناعة الحديثية الشريفة الموقرة الجليلة الخطيرة طمع فيها - لأسباب كثيرة منها ما تقدمت الإشارة إليه من تصرفات أدت إلى تهوين شأن هذا العلم بتهوين شأن أئمته - أقول طمع فيها كثير ممن ليسوا في العير ولا النفير ، من طالب دراسة جامعية يقرأ سنتين ما شمَّ قبلها لعلم الحديث رائحةً ، فيكتب رسالةً يحكم فيها بالقبول أو الرد على مئات من الأحاديث التي لو عرض كثير منها على مثل أحمد بن حنبل لتوقف فيها أو لجمع لها - أو لكثير منها - علي بن المديني وابن معين وأضرابهما لو تيسر له ذلك ، ومن رجل جاهل حصّل مخطوطةً حديثية نفيسةً فأبى إلا أن يقومَ هو - دون غيره - بنشرها وتحقيقها وتصحيحها ، وما درى أن الذي قام به إنما هو تزويرها وإفسادها وتصحيفها .
فانتهى الحال إلى ما ترون من المآل ، ووقع في هذا العلم الشريف ذلكم الإخلال .