فحقَّ لأهل العلم أن يتمثلواببيت قديم شاع في كل مجلسِ
لقد هزلت حتى بدا من هزالها***كُلاها وحتى سامها كل مفلسِ
وحقَّ لهم أن يتمثلوا بقول من قال:
لَمّا تبدلتِ المنازلُ أوجُهًا غيرَ الذين عهدتُ من علمائِها
ورأيتها محفوفةً بسوى الألى كانوا ولاةَ صدورِها وفِنائها
أنشدتُ بيتًا سائرًا متقدمًا والعينُ قد شرقت بجاري مائها
أما الخيام فإنها كخيامهم *** *** وأرى نساء الحي غير نسائها
فإذن نحن بين يدي علمٍ بل بحرٍ محيطٍ لا ساحل له ، وميدان خطيرٍ قلَّ فرسانه ، وصناعة غريبة لا يتقنها في الحقيقة إلا أفراد أفذاذ وعلماء خلقهم الله تعالى لهذا الشأن ، ولكن قلَّ على مر العصور مقدار أعدادِهم حتى صاروا غرباء في بلادِهم ، وجهل حقَّهم أكثرُ الخلائق ، لكن هؤلاء الأئمة الجهابذة قد عرف حقَّهم العلماءُ المحققون قديمًا وحديثًا وأبرزوا مكانتهم وأظهروا فضلهم فأنزلوهم المنزلة التي يستحقون ووقفوا أمام بحار علمهم خاضعين غير خائضين ، وإنما يعرف الفضلَ لأهله أهلُه ، خذ مثلًا لذلك - وتدبرْه - قولَ الإمام البخاري: ( ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني ) (1) .
إنه علمٌ من تكلم فيه من غير أئمته ، فالخطر إليه أسرع من سلامته ، ومن دخل فيه من غير بابه ، فخطؤه أقرب إليه من صوابه .
هذا شأن هذا العلم الشريف الجليل ؛ ولكن قد حصَلَ أمرٌ كان سيء الأثر جدًا عليه ، وإن ذلك لمصاب جلل على هذه الأمة وخطب كاد يقصم ظهرَ العلم الشرعي لولا أن تداركه الله برحمة منه ، فما هو ذلك الأمر وما خبره؟ إليك بيان ذلك .
(1) رواه عن البخاري المزي في ( تهذيب الكمال ) ( 21/18 ) بإسناده .