الصفحة 15 من 49

بدأت الأمة بعد القرون الأولى تضعف شيئًا فشيئًا ، ثم لم يزل الضعف مستمرًا ، ولا شك أن أول ما يضعف بضعف الأمة هو علمها الأول علم الحديث النبوي في نقله ونقده وفقهه والعمل به (1) .

وكان من نتيجة ذلك أن تنازلت مراتب حملة هذا العلم الشريف عما كانت عليه ، وأن تجرأ على الدخول في ميدانه كثير ممن لا يُحسنه ، فشارك فيه كثيرٌ من المتفقهة القاصرين وبعض ضعفاء الطلبة وجماعات من المتعالمين ومن أصحاب المقاصد المنحرفة ، فكان لهؤلاء في الجملة أصول غير التي لأهل الحديث الذين هم أهله ومناهج غير التي كانوا يسلكون .

وهكذا صار الحديثيون أو المشتغلون بالحديث منقسمين في الجملة إلى طائفتين كبيرتين: طائفة عالمة ورعة متثبتة متأهلة ، وطائفة منحرفة عنها في منهجها وقاصرة عنها في علمها ومقصرة في التطبيق .

وقبل أن أبدأ بتفصيل أهم الفروق بين الطائفتين أود أن أنبهك على مسألتين:

الأولى: أنني رأيت أنه يحسن بي في هذا المبحث أن أسمي الطائفتين ، لأجل اختصار التعبير ، فرأيت أن أصطلح على تسمية الأولى ( طائفة علماء العلل والتفصيل ) (2) ؛ وأصطلح على تسمية الثانية ( طائفة علماء الجمل والتأصيل ) (3) ؛ وسأنبيك عن سر هاتين التسميتين ببيان ؛ بل ستفهم أنت ذلك - إن شاء الله تعالى - من مجرى الكلام على الفروق بين هاتين الطائفتين .

(1) هذا إن لم نختر القول بأن علم الحديث ضعف أولًا فضعفت الأمة تبعًا له .

(2) وأدعوها أحيانًا ( الطائفة الأولى ) أو ( طائفة المتقدمين ) .

(3) وأدعوها أحيانًا ( الطائفة الثانية ) أو ( طائفة المتأخرين ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت