عدم إهدارهم شيئًا من كلام النقاد ؛ مع أن جملة منها تستحق الإهدار ؛ إما إطلاقًا وإما تقييدًا بالمخالفة وظهور عدم خبرة الناقد بالراوي المنتقَد ؛ فيتكلفون - أعني أصحاب الطائفة الثانية - عند الحكم على الراوي الجمعَ بين أقوال الأئمة المطلعين الحاذقين وأقوال المتكلفين المتعالمين أو المتسرعين الواهمين ؛ وهذا يوجب الخلل في الحكم المستخلص ، وممن كان ينتهج هذا السبيل الحافظُ ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى (1)
(1) ألزم ابن حجر نفسه في كتابه ( تقريب التهذيب ) في أحيان كثيرة باعتبار جميع ما قيل في الراوي من نقد ، ومحاولة الجمع أو التوسط أو التوفيق بين كل تلك الأقوال ولو كان بعضها مما لا يستحق الالتفات إليه ولا يساوي ذكره .
ولعل هذه الطريقة سرت وتسربت إليه من آثار المدارس الفقهية المذهبية عند المتأخرين ، فإنك ترى أحدهم إذا ذكر في شرح من شروحه أو كتاب من كتبه المفصلة مسألة من مسائل الفقه لم تسمح له نفسه بمغادرة شيء من أقوال علماء مذهبه في تلك المسألة ولو كانت واضحة البطلان أو كان قائلها من صغار علماء المذهب ومتأخريهم ، ثم تراه يُلزمُ نفسه بالإجابة عن جميع الأمور الواردة على ما يقرره ولو كانت تلك الأمور واهية ظاهرة السقوط ، أو تراه يتكلف الجمع أو التوفيق بين كل الأقوال أو يتكلف توجيه الشاذ المنكر منها ولو كان غنيًا عن حكايته وتطويل المقام به ، هذا شأن أصحاب المطولات من الشروح والحواشي من متأخرى فقهاء المذاهب .
لقد أنزل ابن حجر كثيرًا من الثقات الذين حقهم التوثيق التام إلى رتبة أدنى من ذلك بسبب كلمة قالها بعض النقاد الواهمين فيها أو المتسرعين الذين عادتهم المجازفة أو الضعفاء الذين لا يلتفت إلى كلامهم إذا خالفوا فيه بعض الأئمة فضلًا عن كلامهم الذي يخالفون فيه كثيرًا منهم ؛ ومن راجع ( تحرير التقريب ) وجد على ابن حجر كثيرًا من التعقبات التي تدخل في هذا الباب ، وقد استغنيت بما هناك عن ذكر أمثلة لهذه المسألة .