الصفحة 32 من 49

وكذلك شأنهم في نقدهم الأحاديث ؛ فلَكأنهم كانوا يراقبون الرواة حال السماع وفي زمن التحمل وحال الأداء ؛ فما أعظم علمهم وما أشد حاجتنا إليه وما أعظم الثقة به وما أحسن الركون إليه والاكتفاء به ؛ فرحمهم الله تعالى ، كم من سر حديثي كان خفيًا جدًا فأذاعوه ، وكم من ستر غليظ لا تكشفه الرياح ولا تخرقه الرماح فكشفوه ؛ فالحمد لله الذي حفظ بهم دينه ونصر بهم هذه الأمة (1) .

الفرق الرابع:

أما الفرق الرابع فهو الفرق في مقدار الخطأ في المحفوظ أو الموقوف عليه من هذه التفاصيل المذكورة في الفرق الثالث ، أو التي هي موضوع ذلك الفرق .

فإذن الفرق الرابع يكون بالنسبة للفروع والتفاصيل نظير الفرق الثاني بالنسبة للقواعد والأصول .

فكما أن أصحاب الطائفة الثانية مشوا على جملة من الأصول العامة المرجوحة أو التي لا تصح أو التي تحتمل أن تكون غير صحيحة ؛ فكذلك شأنهم في كثير من التفاصيل ؛ وسواء في ذلك التفاصيل التي هي أحكام على الرواة والأحاديث وقلد بعضهم بعضًا فيها ، والتفاصيل التي هي أعم من ذلك والتي كانت مادة للاستنباط منها والتفريع عليها كبعض الضوابط الضيقة ؛ وأرى أنه لا بد لتوضيح بعض هذا الكلام من أن أمثل له ببعض المسائل فدونك هذه المسائل أو الأمثلة:

المسألة الأولى: لقد اعتمدت الطائفة الثانية - فيما اعتمدته - جملة من أقوال النقاد في التفاصيل والجزئيات مع أن تلك الأقوال لم تثبت عنهم بسبب ضعف أسانيد تلك الأقوال إليهم ، أعني إلى النقاد ، أو بسبب علة أو شذوذ واقع في السند إلى ذلك الناقد وإن كان ظاهر ذلك السند الصحة ، أو بسبب التصحيف والخلل في نسخ الكتب وطبعها .

(1) من أسباب قلة الحفظ عند المتأخرين: نقص البركة في العقول والأفهام ، وكثرة انشغالهم بالدنيا من جهة وبالعلوم العقلية من جهة أخرى ، فأعيتهم السنن أن يحفظوها ويحفظوا تفاصيل نقدها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت